تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
أن فسر الواقعة بالصيحة قال : خافضة تخفض قوتها لتسمع الأدنى
رافِعَةٌ
ترفعها لتسمع الأقصى ، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس وعكرمة ، وقدر أبو علي المبتدأ مقرونا بالفاء أي فهي
خافِضَةٌ
وجعل الجملة جواب إذا فكأنه قيل :
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
خفضت قوما ورفعت آخرين ، وقرأ زيد بن علي والحسن وعيسى وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم والزعفراني واليزيدي في اختياره « خافضة رافعة » بنصبهما ، ووجهه أن يجعلا حالين عن الواقعة على أن
لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
اعتراض أو حالين عن وقعتها ، وقوله سبحانه :
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا
أي زلزلت وحركت تحريكا شديدا بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل متعلق - بخافضة - أو - برافعة - على أنه من باب الأعمال ، أو بدل من
إِذا وَقَعَتِ
كما قال به غير واحد ، وقال ابن جني وأبو الفضل الرازي :
إِذا رُجَّتِ
في موضع رفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو
إِذا وَقَعَتِ
وليست واحدة منهما شرطية بل هي بمعنى وقت أي وقت وقوعها وقت رج الأرض ، وادعى ابن مالك أن
إِذا
تكون مبتدأ ، واستدل بهذه الآية ، وقال أبو حيان : هو بدل من
إِذا وَقَعَتِ
وجواب الشرط عندي ملفوظ به وهو قوله تعالى :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
والمعنى إذا كان كذا وكذا ، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم وما أعظم ما يجازون به أي إن سعادتهم وعظم رتبهم عند اللّه عزّ وجل تظهر في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم ، وفيه بعد
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا
أي فتت كما قال ابن عباس ومجاهد حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لتّه ، وقيل : سيقت وسيرت من أماكنها من بس الغنم إذا ساقها فهو كقوله تعالى :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ
[ النبأ : 20 ] . وقرأ زيد بن علي « رجّت » و « بسّت » بالبناء للفاعل أي ارتجت وتفتتت ، وفي كلام هند بنت الخس تصف ناقة بما يستدل به على حملها : - عينها هاج وصلاها راج ، وهي تمشي وتفاج -
فَكانَتْ
فصارت بسبب ذلك
هَباءً
غبارا
مُنْبَثًّا
متفرقا ، والمراد مطلق الغبار عند الأكثرين ، وقال ابن عباس : هو ما يثور مع شعاع الشمس إذا دخلت من كوة ، وفي رواية أخرى عنه أنه الذي يطير من النار إذا اضطرمت . وقرأ النخعي - منبتا - بالتاء المنطوقة بنقطتين من فوق من البت بمعنى القطع ، والمراد به ما ذكر من الليث بالمثلثة
وَكُنْتُمْ
خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليبا كما ذهب إليه الكثير ، وقال بعضهم : خطاب للأمة الحاضرة فقط ، والظاهر أن - كان - أيضا بمعنى صار أي وصرتم
أَزْواجاً
أي أصنافا
ثَلاثَةً
وكل صنف يكون مع صنف آخر في الوجود أو في الذكر فهو زوج ، قال الراغب : الزوج يكون لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ولكل قرينين فيها ، وفي غيرها كالخف والنعل ، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا ، وقوله تعالى :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
تفصيل للأزواج الثلاثة مع الإشارة الإجمالية إلى أحوالهم قبل تفصيلها ، والدائر على ألسنتهم أن أصحاب الميمنة مبتدأ ، وقوله تعالى :
ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
ما
فيه استفهامية مبتدأ ثان و
أَصْحابُ
خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول والرابط الظاهر القائم مقام الضمير ، وكذا يقال في قوله تعالى :
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
إلخ ، والأصل في الموضعين ما هم ؟ أي أيّ شيء هم في حالهم وصفتهم فإن
ما
وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة لكنها قد تطلب بها الصفة والحال كما تقول ما زيد ؟ فيقال : عالم ، أو طبيب فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في المقصود وهو التفخيم في الأول والتفظيع في الثاني ، والمراد تعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل :
فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
في غاية حسن الحال
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
في نهاية سوء الحال ، وقيل : جملة
ما أَصْحابُ
خبر