تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
انتهى فلا تغفل ، والأكثرون على أول المعنيين اللذين ذكرناهما بل في بعض الأخبار ما يدل على أنه تفسير نبوي . أخرج ابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال في ذلك « لا ينظرن إلا إلى أزواجهن » ومتى صح هذا ينبغي قصر الطرف عليه ، وفي بعض الآثار تقول الواحدة منهن لزوجها : وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد للّه الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي ، و
الطَّرْفِ
في الأصل مصدر فلذلك وحد
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
قال ابن عباس : لم يفتضهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ، وفيه إشارة إلى أن ضمير قبلهن للأزواج ، ويدل عليه
قاصِراتُ الطَّرْفِ
وفي البحر هو عائد على من عاد عليه الضمير في
مُتَّكِئِينَ
، وأصل الطمث خروج الدم ولذلك يقال للحيض طمث ، ثم أطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم ، وقيل : ثم عمم لكل جماع ، وهو المروي هنا عن عكرمة ، وإلى الأول ذهب الكثير ، وقيل : إن التعبير به للإشارة إلى أنهن يوجدن أبكارا كلما جومعن ، ونفي طمثهن عن الإنس ظاهر ، وأما عن الجن فقال مجاهد والحسن : قد تجامع الجن نساء البشر مع أزواجهم إذا لم يذكر الزوج اسم اللّه تعال فنفى هنا جميع المجامعين وقيل : لا حاجة إلى ذلك إذ يكفي في نفي الطمث عن الجن إمكانه منهم ، ولا شك في إمكان جماع الجني إنسية بدون أن يكون مع زوجها الغير الذاكر اسم اللّه تعالى ، ويدل على ذلك ما رواه أبو عثمان سعيد بن داود الزبيدي قال : كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن وقالوا : إن هاهنا رجلا من الجن يزعم أنه يريد الحلال فقال ما أرى بذلك بأسا في الدين ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل : من زوجك ؟ قالت : من الجن فيكثر الفساد في الإسلام ، ثم إن دعوى أن الجن تجامع نساء البشر جماعا حقيقيا مع أزواجهم إذا لم يذكروا اسم اللّه تعالى غير مسلمة عند جميع العلماء ، وقوله تعالى :
وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
[ الإسراء : 64 ] غير نص في المراد كما لا يخفى ، وقال ضمرة بن حبيب : الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم ، فالمعنى لم يطمث الإنسيات أحد من الإنس ، ولا الجنيات أحد من الجن قبل أزواجهن ، وقد أخرج نحو هذا عنه ابن أبي حاتم ، وظاهره أن ما للجن لسن من الحور . ونقل الطبرسي عنه أنهن من الحور وكذا الإنسيات ، ولا مانع من أن يخلق اللّه تعالى في الجنة حورا للإنس يشاكلنهم يقال لهن لذلك إنسيات ، وحورا للجن يشاكلنهم يقال لهن لذلك جنيات ، ويجوز أن تكون الحور كلهن نوعا واحدا ويعطى الجني منهن لكنه في تلك النشأة غيره في هذه النشأة ، ويقال : ما يعطاه الإنسي منهن لم يطمثها إنسي قبله ، وما يعطاه الجني لم يطمثها جني قبله وبهذا فسر البلخي الآية ، وقال الشعبي والكلبي : تلك القاصرات الطرف من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن النشأة الآخرة خلق قبل والذي يعطاه الإنسي زوجته المؤمنة التي كانت له في الدنيا ويعطى غيرها من نسائها المؤمنات أيضا ، ويبعد أن يعطى الجني من نساء الدنيا الإنسانيات في الآخرة . والذي يغلب على الظن أن الإنسي يعطي من الإنسيات والحور والجني يعطى من الجنيات والحور ولا يعطى إنسي جنية ، ولا جني إنسية وما يعطاه المؤمن إنسيا كان أو جنيا من الحور شيء يليق به وتشتهيه نفسه ، وحقيقة تلك النشأة وراء ما يخطر بالبال ، واستدل بالآية على أن الجن يدخلون الجن ويجامعون فيها كالإنس فهم باقون فيها منعمين كبقاء المعذبين منهم في النار ، وهو مقتضى ظاهر ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد وابن أبي ليلى والأوزاعي . وعليه الأكثر - كما ذكره العيني في شرح البخاري - من أنهم يثابون على الطاعة ويعاقبون