تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
لكونهم بصراء وسبب السبب قد يقال له سبب فلا يرد ما يقال إن السبب قولهم : أنت خير لا قوله : أنا خير ، وقال القاضي البيضاوي : إنه من إنزال المسبب منزلة السبب لأن علمهم بأنه خبر مستفاد من الابصار . وفيه أن المذكور أنا خير لا أم تعلمون أني خير ، وله أن يقول : ذلك يغني غناه لأنه جعله مسلما معلوما ما عندهم فقال :
أَمْ أَنَا خَيْرٌ
لا أم تعلمون كما سلف ، ولا يخفى أن ما ذكره الزمخشري أظهر كذا في الكشف ، وقال العلامة الثاني في تقرير ذلك : إن قوله : أنا خير سبب لقولهم من جهة بعثه على النظر في أحواله واستعداده لما ادعاه وقولهم : أنت خير سبب لكونهم بصراء عنده فأنا خير سبب له بالواسطة لكن لا يخفى أنه سبب للعلم بذلك والحكم به ، وأما بحسب الوجود فالأمر بالعكس لأن إبصارهم سبب لقوله أنت خير فتأمل ، وبالجملة إن ما بعد
أَمْ
مؤول بجملة فعلية معلولة لفظا ومعنى هي ما سمعت ونحو ذلك من حيث التأويل
أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
[ الأعراف : 123 ] أي أم صمتم ، وقوله : أمخدج اليدين أم أتمت أي أم متما ، وقيل : حذف المعادل لدلالة المعنى عليه ، والتقدير أفلا تبصرون أم تبصرون أنا خير إلخ ، وتعقب بأن هذا لا يجوز إلا إذا كان بعد أم لا نحو أيقوم زيد أم لا أي أم لا يقوم فأما حذفه دون لا فليس من كلامهم ، وجوز أن يكون في الكلام طي على نهج الاحتباك والمعنى أهو خير مني فلا تبصرون ما ذكرتكم به أم أنا خير منه لأنكم تبصرونه ، ولا ينبغي الالتفات إليه ، وجوز غير واحد كون
أَمْ
منقطعة مقدرة بيل والهمزة التي للتقرير كأن اللعين قال أثر ما عدد أسباب فضله ومبادي خيريته : أثبت عندكم واستقر لديكم أني خير وهذه حالي من هذا إلخ ، ورجحه بعضهم لما فيه من عدم التكلف في أمر المعادل اللازم أولا لحسن في المتصلة ، وقال السدي . وأبو عبيدة : أم بمعنى بل فيكون قد انتقل من ذلك الكلام إلى إخباره بأنه خير كقول الشاعر :
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أم أنت في العين أملح
وقال أبو البقاء : إنها منقطعة لفظا متصلة وأراد ما تقدم من التأويل ، وليس فيه مخالفة لما أجمع عليه النحاة كما توهم ، وجملة « لا يكاد يبين » معطوفة على الصلة أو مستأنفة أو حالية . وقرئ « أما أنا خير » بإدخال الهمزة على ما النافية ، وقرأ الباقر رضي اللّه تعالى عنه « يبين » بفتح الياء من بان إذا ظهر
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ
كناية عن تمليكه ، قال مجاهد : كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوارين وطوقوه بطوق ذهب علامة لسؤدده ، فقال فرعون هلا ألقى رب موسى عليه أساور من ذهب إن كان صادقا ، وهذا من اللعين لزعمه أن الرئاسة من لوازم الرسالة كما قال كفار قريش في عظيم القريتين ، والأسورة جمع سوار نحو خمار وأخمرة ، وقرأ الأعمش « أساور » ورويت عن أبي ، وعن أبي عمرو جمع أسورة فهو جمع الجمع ، وقرأ الجمهور « أساورة » جمع أسوار بمعنى السوار والهاء عوض من ياء أساوير فإنها تكون في الجمع المحذوف مدته للعوض عنها كما في زنادقة جمع زنديق . وقد قرأ « أساوير » عبد اللّه وأبي في الرواية المشهورة ، وقرأ الضحاك ألقى مبنيا للفاعل أي اللّه تعالى أساورة بالنصب
أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
من قرنته به فاقترن ، وفسر بمقرونين أي به لأنه لازم معناه بناء على هذا ، وفسر أيضا بمتقارنين من اقترن بمعنى تقارن والاقتران مجاز أو كناية عن الإعانة . ولذا قال ابن عباس : يعينونه على من خالفه ، وقيل : عن التصديق ولولا ذلك لم يكن لذكره بعد قوله معه فائدة ، وهو الأول حسي وعلى الثاني معنوي ، وقيل : متقارنين بمعنى مجتمعين كثيرين ، وعن قتادة متتابعين .
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
فطلب منهم الخفة في مطاوعته على أن السين للطلب على حقيقتها ، ومعنى الخفة السرعة
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 90 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية