تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
يناسب حال إرسال الرسول ، أو يقال : لا نسلم أن العطف على
ما كانَ لِبَشَرٍ
ليس بحسن الانتظام ، وفيه دغدغة لا تخفى ، وفي الآية على ما قال ابن عطية دليل على أن من حلف أن لا يكلم فلانا فراسله حنث لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام ، ونقله الجلال السيوطي في أحكام القرآن عن مالك وفيه بحث واللّه تعالى الهادي .
إِنَّهُ عَلِيٌّ
متعال عن صفات المخلوقين
حَكِيمٌ
يجري سبحانه أفعاله على سنن الحكمة فيكلم تارة بواسطة وأخرى بدونها إما إلهاما وإما خطابا أو إما عيانا وإما خطابا من وراء حجاب على ما يقتضيه الاختلاف السابق في تفسير الآية
وَكَذلِكَ
أي ومثل هذا الإيحاء البديع على أن الإشارة لما بعد
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
وهو ما أوحي إليه عليه الصلاة والسلام أو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث يحييها حياة أبدية ، وقيل : أي ومثل الإيحاء المشهور لغيرك أوحينا إليك ، وقيل : أي ومثل ذلك الإيحاء المفصل أوحينا إليك إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث سواء فسر الوحي بالإلقاء أم فسر بالكلام الشفاهي ، وقد ذكر أنه عليه الصلاة والسلام قد ألقي إليه في المنام كما ألقي إلى إبراهيم عليه السلام وألقي إليه عليه الصلاة والسلام في اليقظة على نحو إلقاء الزبور إلى داود عليه السلام . ففي الكبريت الأحمر للشعراني نقلا عن الباب الثاني من الفتوحات المكية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أعطي القرآن مجملا قبل جبريل عليه السلام من غير تفصيل الآيات والسور . وعن ابن عباس تفسير الروح بالنبوة . وقال الربيع : هو جبريل عليه السلام ، وعليه فأوحينا مضمن معنى أرسلنا ، والمعنى أرسلناه بالوحي إليك لأنه لا يقال : أوحى الملك بل أرسله . و نقل الطبرسي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما أن المراد بهذا الروح ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يصعد إلى السماء ، وهذا القول في غاية الغرابة ولعله لا يصح عن هذين الإمامين ، وتنوين
رُوحاً
للتعظيم أي روحا عظيما
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
الظاهر أن ما الأولى نافية والثانية استفهامية في محل رفع على الابتداء و
الْكِتابُ
خبر ، والجملة في موضع نصب بتدري وجملة
ما كُنْتَ
إلخ حالية من ضمير
أَوْحَيْنا
أو هي مستأنفة والمضي بالنسبة إلى زمان الوحي . واستشكلت الآية بأن ظاهرها يستدعي عدم الاتصاف بالإيمان قبل الوحي ولا يصح ذلك لأن الأنبياء عليهم السلام جميعا قبل البعثة مؤمنون لعصمتهم عن الكفر بإجماع من يعتد به ، وأجيب بعدة أجوبة ، الأول أن الإيمان هنا ليس المراد به التصديق المجرد بل مجموع التصديق والإقرار والإعمال فإنه كما يطلق على ذلك يطلق على هذا شرعا ، ومنه قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
[ البقرة : 143 ] والأعمال لا سبيل إلى درايتها من غير سمع فهو مركب والمركب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه فلا يلزم من انتفاء الإيمان المركب بانتفاء الأعمال انتفاء الإيمان بالمعنى الآخر أعني التصديق وهو الذي أجمع العلماء على اتصاف الأنبياء عليهم السلام به قبل البعثة ، ولذا عبر بتدري دون أن يقال : لم تكن مؤمنا وهو جواب حسن ولا يلزمه نفي الإيمان عمن لا يعمل الطاعات ليكون القول به اعتزالا كما لا يخفى . الثاني أن الإيمان إنما يعني به التصديق باللّه تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام دون التصديق باللّه عزّ وجل ودون ما يدخل فيه الأعمال والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مخاطب بالإيمان برسالة نفسه كما أن أمته صلّى اللّه عليه وسلّم مخاطبون بذلك ، ولا شك أنه قبل الوحي لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أنه رسول اللّه وما علم ذلك إلا بالوحي فإذا كان الإيمان هو التصديق باللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يكن هذا المجموع ثابتا قبل الوحي بل كان الثابت هو التصديق باللّه تعالى خاصة المجمع