تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
علي كرم اللّه تعالى وجهه مرفوعا ، وقال مقاتل : ركعتان بعد العشاء يقرأ في الأولى
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
[ الكافرون : 1 ] وفي الثانية
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[ الإخلاص : 1 ] ، وقيل : من الليل صلاة العشاءين والتهجد . وعن مجاهد صلاة الليل ، وفيه احتمال العموم لصلاة العشاءين والخصوص بالتهجد وهو الأظهر
وَاسْتَمِعْ
أمر بالاستماع ، والظاهر أنه أريد به حقيقته ، والمستمع له محذوف تقديره واستمع لما أخبر به من أهوال يوم القيامة ، وبين ذلك بقوله تعالى :
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
إلى آخره ، وسلك هذا لما في الإبهام ثم التفسير من التهويل والتعظيم لشأن المخبر به ، وانتصب
يَوْمَ
بما دل عليه
ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ
أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور ، وقيل : المفعول محذوف تقديره نداء المنادى ، وقيل : تقديره نداء الكافرين بالويل والثبور و
يَوْمَ
ظرف لذلك المحذوف ، وقيل : لا يحتاج ذلك إلى مفعول والمعنى كن مستمعا ولا تكن غافلا ، وقيل : معنى استمع انتظر ، والخطاب لكل سامع ، وقيل : للرسول عليه الصلاة والسلام و
يَوْمَ
منتصب على أنه مفعول به لاستمع أي انتظر يوم ينادي المنادي فإن فيه تبين صحة ما قلته كما تقول لمن تعده بورود فتح : استمع كذا وكذا . والمنادي على ما في بعض الآثار جبريل عليه السلام ينفخ إسرافيل في الصور وينادي جبريل يا أيتها العظام النخرة والجلود المتمزقة والشعور المتقطعة إن اللّه يأمرك بأن تجتمعي لفصل الحساب . وأخرج ابن عساكر . والواسط في فضائل بيت المقدس عن يزيد بن جابر أن إسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور فيقول : يا أيتها العظام النخرة إلى آخره فيكون المراد بالمنادي هو عليه السلام . وفي الحواشي الشهابية الأول هو الأصح
مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
هو صخرة بيت المقدس على ما روي عن يزيد بن جابر وكعب وابن عباس وبريدة وقتادة ، وهي على ما روي عن كعب أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا . وفي الكشاف أنها أقرب إليها باثني عشر ميلا وهي وسط الأرض ، وأنت تعلم أن مثل هذا لا يقبل إلا بوحي ، ثم إن كونها وسط الأرض مما تأباه القواعد في معرفة العروض والأطوال ، ومن هنا قيل : المراد قريب ممن يناديهم فقيل : ينادي من تحت أقدامهم ، وقيل : من منابت شعورهم فيسمع من كل شعرة يا أيتها العظام النخرة إلخ ، ومن الناس من قال : المراد بقربه كون النداء منه لا يخفى على أحد بل يستوي في سماعه كل أحد ، والنداء في كل ذلك على حقيقته ، وجوز أن يكون في الإعادة نظير كن في الابتداء على المشهور فهو تمثيل لإحياء الموتى بمجرد الإرادة ولا نداء ولا صوت حقيقة ، ثم إن ما ذكرناه من أن المنادي ملك وأنه ينادي بما سمعت هو المأثور ، وجوز أن يكون نداؤه بقوله للنفس : ارجعي إلى ربك لتدخلن مكانك من الجنة أو النار أو هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ، وأن يكون المنادي هو اللّه تعالى ينادي
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ
[ الصافات : 22 ] أو
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
[ ق : 24 ] مع قوله تعالى :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ *
[ الحجر : 46 ، ق : 34 ] أو
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ
[ الحاقة : 30 ] أو
أَيْنَ شُرَكائِيَ *
[ النحل : 27 ، القصص : 62 ، 74 ، فصلت : 47 ] أو غير ذلك ، وأن يكون غيره تعالى وغير الملك من المكلفين ينادي
يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
[ الزخرف : 77 ] أو
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
[ الأعراف : 50 ] أو غير ذلك ، والمعول عليه ما تقدم
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ
وهي النفخة الثانية ، و
يَوْمَ
بدل من
يَوْمَ يُنادِ
إلخ ، والعامل فيهما ما دل عليه
ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ
كما تقدم ، وجوز أن يكون ظرفا لما دل عليه ذلك و
يَوْمَ يُنادِ
غير معمول له بل لغيره على ما مر ، وأن يكون ظرفا لينادي ، وقوله تعالى :
بِالْحَقِّ
في موضع الحال من
الصَّيْحَةَ
أي يسمعونها ملتبسة بالحق الذي هو البعث ، وجوز أن يكون ( الحق ) بمعنى اليقين والكلام نظير صاح بيقين أي وجد منه الصياح يقينا لا كالصدى وغيره فكأنه قيل : الصيحة المحققة ، وجوز أن يكون الجار متعلقا بيسمعون على أن المعنى يسمعون بيقين ، وأن يكون الباء للقسم و ( الحق ) هو اللّه تعالى أي يسمعون الصيحة أقسم باللّه وهو كما ترى
ذلِكَ
أي اليوم
يَوْمُ الْخُرُوجِ
من القبور وهو من أسماء يوم القيامة .