تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
دليل وأوضحه دال على أن هذا المنكر أنتم لاقوه فخذوا حذركم ، والتعبير بالماضي هنا وفيما بعد لتحقق الوقوع ، و
سَكْرَةُ الْمَوْتِ
شدته مستعارة من الحالة التي تعرض بين المرء وعقله بجامع أن كلا منهما يصيب العقل بما يصيب ، وجوز أن يشبه الموت بالشراب على طريق الاستعارة المكنية ويجعل إثبات السكرة له تخييلا ، وليس بذاك ، والباء إما للتعدية كما في قولك : جاء الرسول بالخبر ، والمعنى أحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي نطقت به كتب اللّه تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته ، وقيل : بالحق الذي ينبغي أن يكون من الموت والجزاء فإن الإنسان خلق له ، وإما للملابسة كما في قوله تعالى :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
[ المؤمنون : 20 ] أي ملتبسة بالحق أي بحقيقة الأمر ، وقيل : بالحكمة والغاية الجميلة ، وقرئ « سكرة الحق بالموت » والمعنى أنها السكرة التي كتبت على الإنسان بموجب الحكمة وأنها لشدتها توجب زهوق الروح أو تستعقبه ، وقيل : الباء بمعنى مع ، وقيل : سكرة الحق سكرة اللّه تعالى على أن ( الحق ) من أسمائه عزّ وجل ، والإضافة للتهويل لأن ما يجيء من العظيم عظيم . وقرأ ابن مسعود سكرات الموت جمعا ، ويوافق ذلك ما أخرج البخاري . والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول : لا إله إلا اللّه إن للموت سكرات » و جاء في حديث صححه الحاكم عن القاسم بن محمد عن عائشة أيضا قالت : « لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول : اللهم أعني على سكرات الموت »
ذلِكَ
أي الحق
ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
أي تميل وتعدل ، فالإشارة إلى الحق والخطاب للفاجر لا للإنسان مطلقا والإشارة إلى الموت لأن الكلام في الكفرة ، وإنما جيء بقوله تعالى
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
لإثبات العلم بجزئيات أحواله وتضمين شبه وعيد لهؤلاء إدماجا والتخلص منه إلى بيان أحواله في الآخرة ولأن قوله سبحانه وتعالى :
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ
إلخ يناسب خطاب هؤلاء ، وكذلك ما يعقبه على ما لا يخفى . وأما حديث مقابليهم فقد أخذ فيه حيث قال عزّ وجل :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
[ ق : 31 ] الآيات ، وقال بعض الأجلة : الإشارة إلى الموت والخطاب للإنسان الشامل للبر والفاجر والنفرة عن الموت شاملة لكل من أفراده طبعا . وقال الطيبي : إن كان قوله تعالى :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ
متصلا بقوله سبحانه :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
وقوله تعالى :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
[ القمر : 9 ] فالمناسب أن يكون المشار إليه الحق والخطاب للفاجر ، وإن كان متصلا بقوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
فالمناسب أن يكون المشار إليه الموت والخطاب للجنس وفيه البر والفاجر ، والالتفات لا يفارق الوجهين ، والثاني هو الوجه لقوله تعالى بعد ذلك :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ
إلخ ، وتفصيله بقوله تعالى :
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ
[ ق : 24 ] .
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ
وفيه ما يعلم مما قدمنا . وحكى في الكشاف عن بعضهم أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك فقال : الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فحكاه لصالح بن كيسان فقال : واللّه ما من عالية ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب هو للكافر ، ثم حكاهما للحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس فقال : أخالفهما جميعا هو للبر والفاجر ، وكأن هذه المخالفة لنحو ما سمعت عن الطيبي . وفي بعض الآثار ما يؤيد القول بالعموم أخرج ابن سعد عن عروة قال : لما مات الوليد بكت أم سلمة فقالت :
يا عين فابكي الوليد بن الوليد بن المغيرة * كان الوليد بن الوليد أبو الوليد فتى العشيرة
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا تقولي هكذا يا أم سلمة ولكن قولي :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ