وتقديم
مِنْكُمْ
عليه في آية النور التي ذكرناها آنفا لأن عمل الصالحات لا ينفك عنهم ، وذلك ثمت لبيان الخلفاء والعمل الصالح ليس موقوفا عليه لاستمرار صحة خلافتهم حتى لا ينعزلوا بالفسق ، وقال ابن جرير :
مِنْهُمْ
يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع وهم الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة فأعاد الضمير على معنى الشطء وكذلك فعل البغوي ولا يخفى بعده .
وهذا وفي المواهب أن الإمام مالكا قد استنبط من هذه الآية تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، فإنهم يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر ، ووافقه كثير من العلماء انتهى . وفي البحر ذكر عند مالك رجل ينتقص الصحابة فقرأ مالك هذه الآية فقال : من أصبح من الناس في قلبه غيظ . من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقد أصابته هذه الآية ، ويعلم تكفير الرافضة بخصوصهم ، وفي كلام عائشة يقال : أزرته أي شددت إزاره ويقال : آزرت البناء وأزرته قويت أسافله ، وتأزر النبات طال وقوي .
وذكر غير واحد أنه إما من المؤازرة بمعنى المعاونة أو من الإيزار وهي الإعانة . وفي البحر « آزر » أفعل كما حكي عن الأخفش ، وقول مجاهد وغيره فاعل خطأ لأنه لم يسمع في مضارعه ألا يؤزر على وزن يكرم دون يوازر .
وتعقب بأن هذه الشهادة نفي غير مسموعة على أنه يجوز أن يكون ورد من بابين واستغنى بأحدهما عن الآخر ومثله كثير ، مع أن السرقسطي نقله عن المازني لكنه قال : يقال آزر الشيء غيره أي ساواه وحاذاه ، وأنشد لإمرئ القيس :
بمحنية قد آزر الضال نبتها * بجر جيوش غانمين وخيب
وجعل ما في الآية من ذلك ، وهو مروي أيضا عن السدي قال : آزره صار مثل الأصل في الطول ، والجمهور على ما نقل أولا ، والضمير المرفوع في ( آزره ) للشطء والمنصوب للزرع أي فقوي ذلك الشطء الزرع ، والظاهر أن الإسناد في
أَخْرَجَ
و « آزر » مجازي وكون ذلك من الاسناد إلى الموجب ، وهو حقيقة على ما ذهب إليه السالكوتي في حواشيه على المطول حيث قال في قولهم : سرتني رؤيتك . هذا القول مجاز إذا أريد منه حصول السرور عند الرؤية أما إذا أريد منه أن الرؤية موجبة للسرور فهو حقيقة لا يخفى حاله . وقرأ ابن ذكوان « فآزره » ثلاثيا . وقرئ « فأزّره » بشد الزاي أي فشد أزره وقواه
فَاسْتَغْلَظَ
فصار من الدقة إلى الغلظ وهو من باب استنوق الجمل ، ويحتمل أن يراد المبالغة في الغلظ كما في استعصم ونحوه ، وأوثر الأول لأن المساق ينبئ عن التدرج
فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ
فاستقام على قصبه وأصوله جمع ساق نحو لابة ولوب وقارة وقور . وقرأ ابن كثير « سوقه » بإبدال الواو المضموم ما قبلها همزة ، قيل : وهي لغة ضعيفة ، ومن ذلك قوله :
أحب المؤقدين إلي موسى
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره ، والجملة في موضع الحال أي معجبا لهم ، وخصهم تعالى بالذكر لأنه إذا أعجب الزراع وهم يعرفون عيوب الزرع فهو أحرى أن يعجب غيرهم ، وهنا تم المثل وهو مثل ضربه اللّه تعالى للصحابة رضي اللّه تعالى عنهم قلوا في بدء الإسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم يوما فيوما بحيث أعجب الناس ، وهذا ما اختاره بعضهم وقد أخرجه ابن جرير وابن المنذر ، عن الضحاك وابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة ، وذكرا عنه أنه قال أيضا : مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . وفي الكشاف هو مثل ضربه اللّه تعالى لبدء ملة الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي