مجازا كأنهم قالوا : نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا وذرارينا ، وقيل : أرادوا يموت بعضنا ويحيا بعض على أن التجوز في الإسناد ، وجوز أن يريدوا بالحياة على سبيل المجاز إعادة الروح لبدن آخر بطريق التناسخ وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام ولا يخفى بعد ذلك ، وقرأ زيد بن علي رضي اللّه تعالى عنهما « ونحيا » بضم النون
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
أي طول الزمان فالدهر أخص من الزمان وهو الذي ارتضاه السعد ، ولهم في ذلك كلام طويل ، وقال الراغب : الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة ، وهو خلاف الزمان فإنه يقع على المدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة ، وهو خلاف الزمان فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة ودهر فلان مدة حياته ، ويقال : دهر فلانا نائبة دهرا أي نزلت به حكاه الخليل فالدهر هاهنا مصدر .
وذكر بعض الأجلة أن الدهر بالمعنى السابق منقول من المصدر وأنه يقال : دهره دهرا أي غلبه وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح بأمر اللّه عزّ وجل وكانوا يسندون الحوادث مطلقا إليه لجهلهم أنها مقدرة من عند اللّه تعالى ، وإشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر وهؤلاء معترفون بوجود اللّه تعالى فهم غير الدهرية فإنهم مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر لا يقولون بوجوده سبحانه وتعالى « عما يقولون علوا كبيرا » والكل يقول باستقلال الدهر بالتأثير ، ولا يبعد أن يكون الزمان عندهم مقدار حركة الفلك كما ذهب إليه معظم الفلاسفة . وقد جاء النهي عن سب الدهر .
أخرج مسلم « لا يسب أحدكم الدهر فإن اللّه هو الدهر »
و
أبو داود . والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم قال اللّه عزّ وجل : « يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقل أحدكم يا خيبة الدهر أنا الدهر أقلب ليله ونهاره »
و
الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم أيضا يقول اللّه عزّ وجل : « استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري يقول وا دهراه وأنا الدهر »
و
البيهقي « لا تسبوا الدهر قال اللّه عزّ وجل : أنا الأيام والليالي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك »
ومعنى ذلك أن اللّه تعالى هو الآتي بالحوادث فإذا سببتم الدهر على أنه فاعل وقع السب على اللّه عزّ وجلّ .
وعد بعضهم سبه كبيرة لأنه يؤدي إلى سبه تعالى وهو كفر ، وما أدى إليه فأدنى مراتبه أن يكون كفرا « 1 » .
وكلام الشافعية صريح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلا عن كونه كبيرة ، والذي ينجه في ذلك تفصيل وهو أن من سبه فإن أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة ، أو اللّه عزّ وجل فلا كلام في الكفر ، ومثله إذا أراد المؤثر الحقيقي فإنه ليس إلا اللّه سبحانه ؛ وإن أطلق فهذا محل التردد لاحتمال الكفر وغيره وظاهر كلامهم هنا أيضا الكراهة لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقه على اللّه تعالى كما قال بعض الأجلة إنما هو بطريق التجوز .
ومن الناس من قال : إن سبه كبيرة إن اعتقد أن له تأثيرا فيما نزل به كما كان يعتقد جهلة العرب ، وفيه نظر لأن اعتقاد ذلك كفر ولي الكلام فيه ، وأنكر بعضهم كون ما
في حديث أبي داود . والحاكم « فإني أنا الدهر »
بضم الراء وقال : لو كان كذلك كان الدهر من أسمائه تعالى وكان
يرويه « فإني أنا الدهر »
بفتح الراء ظرفا لأقلب أي فإني أنا أقلب الليل والنهار الدهر أي على طول الزمان وممره ، وفيه أن رواية مسلم فإن اللّه هو الدهر تبطل ما زعمه ، ومن ثم كان الجمهور على ضم الراء . ولا يلزم عليه أن يكون من أسمائه تعالى لما سبق أن ذلك على التجوز ، وحكى الراغب عن بعضهم أن الدهر الثاني في حديث مسلم غير الأول وأنه مصدر بمعنى الفاعل ، والمعنى أن اللّه تعالى هو الدهر أي
هامش
( 1 ) قوله فأدنى مراتبه أن يكون كفرا كذا بالأصل ولعل الأولى أن يكون كبيرة .