تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
في المؤذنين ، وينبغي أن يتأول قولهم على أنهم داخلون في الآية وإلا فالسورة بكمالها مكية بلا خلاف ولم يكن الأذان بمكة إنما شرع بالمدينة ، والتزام القول بتأخر حكمها عن نزولها كما ترى ، والظاهر أن المراد الدعاء باللسان ، وقيل : به وباليد كأن يدعو إلى الإسلام ويجاهد ، وقال زيد بن علي : دعا إلى اللّه بالسيف ، ولعل هذا واللّه تعالى أعلم هو الذي حمله على الخروج بالسيف على بعض الظلمة من ملوك بني أمية ، وكان زيد هذا رضي اللّه تعالى عنه عالما بكتاب اللّه تعالى وله تفسير ألقاه على بعض النقلة عنه وهو في حبس هشام بن عبد الملك وفيه من العلم والاستشهاد بكلام العرب حظ وافر . ويقال : إنه كان إذا تناظر هو وأخوه محمد الباقر اجتمع الناس بالمحابر يكتبون ما يصدر عنهما من العلم رحمهما اللّه تعالى ورضي عنهما ، والاستفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى اللّه
وَعَمِلَ صالِحاً
أي عملا صالحا أي عمل صالح كان . وقال أبو أمامة : صلى بين الأذان والإقامة ، ولا يخفى ما فيه ، وقال عكرمة : صلى وصام ، وقال الكلبي : أدى العرائض والحق العموم
وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أي تلفظ بذلك ابتهاجا بأنه منهم وتفاخرا به مع قصد الثواب إذ هو لا ينافيه أو جعل واتخذ الإسلام دينا له من قولهم : هذا قول فلان أي مذهبه ومعتقده ، وبعضهم يرجع الوجهين إلى وجه واحد ، والمعنى على القول بكون الآية خاصة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم اختار النسبة إلى الإسلام دون عز الدنيا وشرفها وهو قولهم رد لا تسمعوا لهذا القرآن وتعجب منه ، وقرأ ابن أبي عبلة وإبراهيم بن نوح عن قتيبة الميال « وقال إنّي » بنون مشددة دون نون الوقاية . واستدل أبو بكر بن العربي بالآية على عدم اشتراط الاستثناء في قول القائل : أنا مسلم أو أنا مؤمن . وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي للداعي إلى اللّه تعالى أن يكون عاملا عملا صالحا ليكون الناس إلى قبول دعائه أقرب وإليه أسكن .
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
جملة مستأنفة سيقت لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد والرب عزّ وجلّ ترغيبا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصبر على أذية المشركين ومقابلة إساءتهم بالإحسان ، والحكم عام أي لا تستوي الخصلة الحسنة والسيئة في الآثار والأحكام ، و
لا
الثانية مزيدة لتأكيد النفي مثلها في قوله تعالى :
وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ
[ فاطر : 21 ] لأن استوى لا يكتفي بمفرد وقوله تعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة أي ادفع السيئة حيث اعترضتك من بعض أعاديك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات كالإحسان إلى من أساء فإنه أحسن من مجرد العفو فأحسن على ظاهره والمفضل عليه عام ولذا حذف كما في اللّه تعالى أكبر ، وإخراجه مخرج الجواب عن سؤال من قال : كيف أصنع ؟ للمبالغة والإشارة إلى أنه مهم ينبغي الاعتناء به والسؤال عنه ، وللمبالغة أيضا وضع
أَحْسَنُ
موضع الحسنة لأن من دفع بالأحسن هان عليه الدفع بما دونه ، ومما ذكرنا يعلم أن ليس المراد بالحسنة والسيئة أمرين معينين . وعن علي كرم اللّه تعالى وجهه الحسنة حب الرسول وآله عليهم الصلاة والسلام والسيئة بغضهم ، وعن ابن عباس الحسنة لا إله إلا اللّه والسيئة الشرك ، وقال الكلبي : الدعوتان إليهما ، وقال الضحاك : الحلم والفحش ، وقيل : الصبر ، وقيل : المدارة والغلظة ، وقيل غير ذلك ، ولا يخفى أن بعض المروي يكاد لا تصح إرادته هنا فلعله لم يثبت عمن روي عنه ، وجوز أن يكون المراد بيان تفاوت الحسنات والسيئات في أنفسهما بمعنى أن الحسنات تتفاوت إلى حسن وأحسن والسيئات كذلك فتعريف الحسنة والسيئة للجنس و
لا
الثانية ليست مزيدة وأفعل على ظاهره ، والكلام في
ادْفَعْ
إلخ على معنى الفاء أي إذا كان كل من الجنسين