جلد الإنسان ويقبضه ؛ والأول أنسب لديار العرب ، وقال السدي أيضا وأبو عبيدة وابن قتيبة والطبري وجماعة : مصوتة من صر يصر إذا صوت ، وقال ابن السكيت : صرصر يجوز أن يكون من الصرة وهي الصيحة ومنه
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ
[ الذاريات : 29 ] وفي الحديث أنه تعالى أمر خزنة الريح ففتحوا عليهم قدر حلقة الخاتم ولو فتحوا قدر منخر الثور لهلكت الدنيا ، وروي أنها كانت تحمل العير بأوقارها فترميهم في البحر
فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ
جمع نحسة بكسر الحاء صفة مشبهة من نحس نحسا كعلم علما نقيض سعد سعدا .
وقرأ الحرميان وأبو عمرو والنخعي وعيسى والأعرج « نحسات » بسكون الحاء فاحتمل أن يكون مصدرا وصف به مبالغة ، واحتمل أن يكون صفة مخففا من فعل كصعب . وفي البحر تتبعت ما ذكره التصريفيون مما جاء صفة من فعل اللازم فلم يذكروا فيه فعلا بسكون العين وإنما ذكروا فعلا بالكسر كفرح وأفعل كأحور وفعلان كشبعان وفاعلا كسالم ، وهو صفة
أَيَّامٍ
وجمع بالألف والتاء لأنه صفة لما لا يعقل ، والمراد بها مشائيم عليهم لما أنهم عذبوا فيها ، فاليوم الواحد يوصف بالنحس والسعد بالنسبة إلى شخصين فيقال له سعد بالنسبة إلى من ينعم فيه ، ويقال له نحس بالنسبة إلى من يعذب ، وليس هذا مما يزعمه الناس من خصوصيات الأوقات ، لكن ذكر الكرماني في مناسكه عن ابن عباس أنه قال : الأيام كلها للّه تعالى لكنه سبحانه خلق بعضها نحوسا وبعضها سعودا ، وتفسير
نَحِساتٍ
بمشائيم مروي عن مجاهد وقتادة والسدي ، وقال الضحاك : أي شديدة البرد حتى كأن البرد عذاب لهم ، وأنشد الأصمعي في النحس بمعنى البرد :
كأن سلافه مزجت بنحس وقيل : نحسات ذوات غبار ، وإليه ذهب الجبائي ومنه قول الراجز :
قد اغتدي قبل طلوع الشمس * للصيد في يوم قليل النحس
يريد قليل الغبار ، وكانت هذه الأيام من آخر شباط وتسمى أيام العجوز ، وكانت فيما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء ، وروي ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء ، وقال السدي : أولها غداة يوم الأحد ، وقال الربيع بن أنس : يوم الجمعة
لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أضيف العذاب إلى الخزي وهو الذل على قصد وصفه به لقوله تعالى :
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى
وهو في الأصل صفة المعذب وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة ، فإنه يدل على أن ذل الكافر زاد حتى اتصف به عذابه كما قرر في قولهم : شعر شاعر ، وهذا في مقابلة استكبارهم وتعظمهم . وقرئ « لتذيقهم » بالتاء على أن الفاعل ضمير الريح أو الأيام النحسات
وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ
بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه .
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
قال ابن عباس وقتادة والسدي : أي بينا لهم ، وأرادوا بذلك على ما قيل بيان طريقي الضلالة والرشد كما في قوله تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
[ البلد : 10 ] وهو أنسب بقوله تعالى :
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
أي فاختاروا الضلالة على الهدى فالظاهر في أنه بين لهم الطريقان فاختاروا أحدهما ، وصرح ابن زيد بذلك فقد حكي عنه أنه قال : أي أعلمناهم الهدى من الضلال ، وفسر غير واحد الهداية هنا بالدلالة أي فدللناهم على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل فاختاروا الضلال ولم يفسروها بالدلالة الموصلة لإباء ظاهر
فَاسْتَحَبُّوا
إلخ عنه .
واستدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال بناء على أن قوله تعالى : ( هديناهم ) دل على نصب الأدلة وإزاحة العلة ، وقوله تعالى :
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى
إلخ دل على أنهم بأنفسهم آثروا العمى .