فيسرع الحساب ، ولو أوقع
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
جوابا عن أهل المحشر لم يحسن هذا الاستئناف انتهى ، وفيه ما فيه .
والحق أن قوله تعالى :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ
إلخ إن كان من كلام المجيب كما هو ظاهر حديث ابن مسعود بعد أن يكون من الناس ، وجوز فيه أن لا يكون من تتمة الجواب بل هو حكاية لما سيقوله تعالى في ذلك اليوم عقيب السؤال والجواب . وأيا ما كان فتخصيص الملك به تعالى في ذلك اليوم إنما هو بالنظر إلى ظاهر الحال من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وظهور ذلك للكفرة والجهلة . وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما . وذهب محمد بن كعب القرظي إلى أن السؤال والجواب منه تعالى ويكونان بين النفختين حين يفني عزّ وجلّ الخلائق . وروي نحوه عن ابن عباس .
أخرج عبد بن حميد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية عنه رضي اللّه تعالى عنه قال : « ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل اللّه سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول : لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار »
والسياق ظاهر في أن ذلك يوم القيامة فلعله على تقدير صحة الحديث يكون مرتين . ومعنى جزاء النفوس بما كسبت أنها تجزى خيرا إن كسبت خيرا وشرا إن كسبت شرا . وقيل :
إن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيئات توجب لذتها وألمها لكنها لا تشعر بها في الدنيا فإذا قامت قيامتها وزالت العوائق أدركت ألمها ولذتها . والظاهر أن هذا قول باللذة والألم الروحانيين ونحن لا ننكر حصولهما يومئذ لكن نقول :
إن الجزاء لا ينحصر بهما بل يكون أيضا بلذة وألم جسمانيين . فالاقتصار في تفسير الآية على ذلك قصور .
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ
يوم القيامة كما قال مجاهد وقتادة وابن زيد ، ومعنى
الْآزِفَةِ
القريبة يقال : أزف الشخوص إذا قرب وضاق وقته ، فهي في الأصل اسم فاعل ثم نقلت منه وجعلت اسما للقيامة لقربها بالإضافة لما مضى من مدة الدنيا أو لما بقي فإن كل آت قريب ، ويجوز أن تكون باقية على الأصل فتكون صفة لمحذوف أي الساعة الآزفة ، وقدر بعضهم الموصوفة الخطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وهي القصة والأمر العظيم الذي يستحق أن يخط ويكتب لغرابته ، ويراد بذلك ما يقع يوم القيامة من الأمور الصعبة وقربها لأن كل آت قريب ، والمراد باليوم الوقت مطلقا أو هو يوم القيامة ، وقال أبو مسلم :
يَوْمَ الْآزِفَةِ
يوم المنية وحضور الأجل .
ورجح بأنه أبعد عن التكرار وأنسب بما بعده ووصف القرب منه أظهر
إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ
بدل من
يَوْمَ الْآزِفَةِ
و
الْحَناجِرِ
جمع حنجرة أو حنجور كحلقوم لفظا ومعنى ؛ وهي كما قال الراغب : رأس الغلصمة من خارج وهي لحمة بين الرأس والعنق ، والكلام كناية عن شدة الخوف أو فرط التألم ، وجوز أن يكون على حقيقته وتبلغ قلوب الكفار حناجرهم يوم القيامة ولا يموتون كما لو كان ذلك في الدنيا .
كاظِمِينَ
حال من أصحاب القلوب على المعنى فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها فهو من باب
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً
[ الحجر : 47 ] فكأنه قيل : إذ قلوبهم لدى الحناجر كاظمين عليها ، وهو من كظم القربة إذا ملأها وسد فاها ، فالمعنى ممسكين أنفسهم على قلوبهم لئلا تخرج مع النفس فإن كاظم القربة كاظم على الماء ممسكها عليه لئلا يخرج امتلاء . وفيه مبالغة عظيمة ، وجوز كونه حالا من ضمير
الْقُلُوبُ
المستتر في الخبر أعني
لَدَى الْحَناجِرِ
وعلى رأي من يجوز مجيء الحال من المبتدأ كونه حالا من
الْقُلُوبُ
نفسها .
وجمع جمع العقلاء لتنزيلها منزلتهم لوصفها بصفتهم كما في قوله تعالى :
فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ