المشتمل على حديث الرؤية وإلقاء ستره تعالى على العبد يذكر ما فعل به وما جنى انتهى ، ولعل الأوفق بما يشعر به كثير من الأخبار أن قوله سبحانه :
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
إشارة إلى تجليه عزّ وجلّ لفصل القضاء وقد يعبر عنه بالإتيان ، وقد صرح به في قوله تعالى :
يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
[ البقرة : 210 ] ولم يتأول ذلك السلف بل أثبتوه له سبحانه كالنزول على الوجه الذي أثبته عزّ وجلّ لنفسه .
ولا يبعد أن يكون هذا النور هو النور الوارد
في الحديث الصحيح « إن اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور »
ويقال فيه كالحجاب نحو ما قال السلف في سائر المتشابهات أو هو نور آخر يظهر عند ذلك التجلي ، ولا أقول : هو نور منعكس من الذات المقدس انعكاس نور الشمس مثلا من الشمس بل الأمر فوق ما تنتهي إليه العقول ، وأنى وهيهات وكيف ومتى يتصور إلى حقيقة ذلك الوصول ، ويومئ إلى أن ذلك التجلي مقرون بالعدل التعبير بعنوان الربوبية مضافا إلى ضمير الأرض واللّه تعالى أعلم بمراده . وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير وأبو الجوزاء
أَشْرَقَتِ
بالبناء للمفعول ؛ قال الزمخشري : من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به واغتصت وأشرقها اللّه تعالى كما تقول : ملأ الأرض عدلا وطبقها عدلا ، وقال ابن عطية : هذا إنما يترتب من فعل يتعدى فهذا على أن يقال : أشرق البيت وأشرقه السراج فيكون الفعل مجاوزا وغير مجاوز ، وقال صاحب اللوامح وجب أن يكون الإشراق على هذه القراءة منقولا من شرقت الشمس إذا طلعت فيصير متعديا والمعنى أذهبت ظلمة الأرض ، ولا يجوز أن يكون من أشرقت إذا أضاءت فإن ذلك لازم وهذا قد يتعدى إلى المفعول
وَوُضِعَ الْكِتابُ
قال السدي الحساب ، فالكتاب مجاز عن الحساب ووضعه ترشيح له ، والمراد به الشروع فيه ويجوز جعل الكلام تمثيلا .
وقال بعضهم : صحائف الأعمال وضعت بأيدي العمال فالتعريف للجنس أو الاستغراق ، وقيل : اللوح المحفوظ وضع ليقابل به الصحائف فالتعريف للعهد ، وروي هذا القول عن ابن عباس ، واستبعده أبو حيان وقال : لعله لا يصح عن ابن عباس
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
قيل ليسألوا هل بلغوا أممهم ؟ وقيل : ليحضروا حسابهم
وَالشُّهَداءِ
قال عطاء ومقاتل وابن زيد : الحفظة ، وكأنهم أرادوا أنهم يشهدون على كل من الأمم أنهم بلغوا أو يشهدون على كل بعمله كما قال سبحانه :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
[ ق : 21 ]
وفي بعض الآثار أنه يؤتى باللوح المحفوظ وهو يرتعد فيقال له : هل بلغت إسرافيل ؟ فيقول : نعم يا رب بلغته فيؤتى بإسرافيل وهو يرتعد فيقال له : هل بلغك اللوح ؟
فيقول : نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع اللوح ثم يقال لإسرافيل فأنت هل بلغت جبرائيل ؟ فيقول : نعم يا رب فيؤتى بجبرائيل وهو يرتعد فيقال له : هل بلغك إسرافيل ؟ فيقول : نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع إسرافيل ثم يقال لجبرائيل : فأنت هل بلغت ؟ فيقول : نعم يا رب فيؤتى بالمرسلين وهم يرتعدون فيقال لهم : هل بلغكم جبرائيل ؟
فيقولون : نعم فيسكن عند ذلك روع جبرائيل ثم يقال لهم : فأنتم هل بلغتم ؟ فيقولون : نعم فيقال للأمم : هل بلغكم الرسل ؟ فيقول كفرتهم : ما جاءنا من بشير ولا نذير فيعظم على الرسل الحال ويشتد البلبال فيقال لهم : من يشهد لكم ؟
فيقولون : النبي الأمي وأمته فيؤتى بالأمة المحمدية فيشهدون لهم أنهم بلغوا فيقال لهم : من أين علمتم ذلك ؟ فيقولون :
من كتاب أنزله اللّه تعالى علينا ذكر سبحانه فيه أن الرسل بلغوا أممهم ويزكيهم النبي عليه الصلاة والسلام
وذلك قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] ومن هنا قيل : المراد بالشهداء في الآية أمة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال الجبائي وأبو مسلم هم عدول الآخرة يشهدون للأمم وعليهم ، وقيل : جميع الشهداء من الملائكة وأمة محمد عليه الصلاة والسلام والجوارح والمكان ، وأيا ما كان فالشهداء جمع