تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
قريش وغيرهم كما روي عن مجاهد ، وأخرج جويبر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ثلاثة أحياء عامر وكنانة وبني سلمة كانوا يعبدون الأوثان ويقولون : الملائكة بنات اللّه فالموصول إما عبارة عنهم أو عبارة عما يعمهم وأضرابهم من عبدة غير اللّه سبحانه وهو الظاهر فيكون الأولياء عبارة عن كل معبود باطل كالملائكة وعيسى عليهم السلام والأصنام ، ومحل الموصول رفع على الابتداء خبره الجملة الآتية المصدرة بأن ، وقوله تعالى :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
حال بتقدير القول من واو
اتَّخَذُوا
مبينة لكيفية اشراكهم وعدم خلوص دينهم أي اتخذوا قائلين ذلك ، وجوز أن يكون القول المقدر قالوا ويكون « 1 » بدلا من
اتَّخَذُوا
وأن يكون المقدر ذلك ويكون هو الخبر للموصول والجملة الآتية استئناف بياني كأنه قيل بعد حكاية ما ذكر : فما ذا يفعل اللّه تعالى بهم ؟ فقيل إن اللّه يحكم بينهم إلخ ، والوجه الأول هو المنساق إلى الذهن ، نعم قرأ عبد اللّه وابن عباس ومجاهد وابن جبير قالوا :
ما نَعْبُدُهُمْ
الآية لكن لا يتعين فيه البدلية أو الخبرية ، وقد اعترض البدلية صاحب الكشف بأن المقام ليس مقام الإبدال إذ ليس فيه إعادة الحكم لكون الأول غير واف بالغرض اعتناء بشأنه لا سيما وحذف البدل ضعيف بل ينافي في الغرض من الإتيان به ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل و
زُلْفى
مصدر مؤكد على غير لفظ المصدر أي والذين لم يخلصوا العبادة للّه تعالى بل شابوها بعبادة غيره سبحانه قائلين ما نعبدهم لشيء من الأشياء إلا ليقربونا إلى اللّه تعالى تقريبا . وقرئ « نعبدهم » بضم النون اتباعا لحركة الباء
إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
أي وبين خصمائهم الذين هم المخلصون للدين وقد حذف لدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
[ البقرة : 285 ] على أحد الوجهين أي بين أحد منهم وبين غيره ، وعليه قول النابغة :
فما كان بين الخير لو جاء سالما * أبو حجر إلا ليال قلائل
أي بين الخير وبيني ، وقيل الضمير للفريقين المتخذين والمتخذين وكذا الكلام في ضميري الجمع في قوله تعالى :
فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
والمعنى على الأول أنه تعالى يفصل الخصومة بين المشركين والمخلصين فيما اختلفوا فيه من التوحيد والإشراك وادعى كل صحة ما اتصف به بإدخال المخلصين الموحدين الجنة وإدخال المشركين النار أو يميزهم سبحانه تمييزا يعلم منه حال ما تنازعوا فيه بذلك ، والمعنى على الثاني أنه تعالى يحكم بين العابدين والمعبودين فيما يختلفون حيث يرجو العابدون شفاعتهم وهم يتبرءون منهم ويلعنونهم قالا أو حالا بإدخال من له أهلية دخول الجنة من المعبودين الجنة وإدخال العابدين ومن ليس له أهلية دخول الجنة ممن عبد كالأصنام النار ، وإدخال الأصنام النار ليس لتعذيبها بل لتعذيب عبدتها بها ، وسيأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى ما يضعفه . وأجاز الزمخشري كون الموصول السابق عبارة عن المعبودين على حذف العائد إليه وإضمار المشركين من غير ذكر تعويلا على دلالة السياق عليهم ويكون التقدير والذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا عند اللّه زلفى إن اللّه يحكم بينهم وبين عبدتهم فيما الفريقان فيه يختلفون حيث يرجو العبدة شفاعتهم وهم يلعنوهم بإدخال ما هو منهم أهل للجنة الجنة وإدخال العبدة مع أصنامهم النار . وتعقب بأنه بعد الإغضاء عما فيه من التعسفات بمعزل من السداد كيف لا وليس فما ذكر من طلب الشفاعة واللعن مادة يختلف فيها الفريقان اختلافا محوجا إلى الحكم والفصل فإنما ذاك ما بين فريقي الموحدين والمشركين في الدنيا من الاختلاف في الدين الباقي إلى يوم القيامة فتدبر ولا تغفل .
هامش
( 1 ) قوله « بدلا » من اتخذوا قال في البحر : كأنه بدل اشتمال اه مؤلف .