تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
مبتلى فهل ذلك أن تداويه فقال : نعم بشرط أن يقول : إذا شفيته أنت شفيتني فمالت لذلك وعرضت كلامه لأيوب عليه السلام فعرف أنه الشيطان وكان عليه ذلك أشد مما هو فيه
نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ
إلخ ، وقيل : إن الشيطان طلب منها أن تذبح لغير اللّه تعالى إذا عالجه وبرأ فمالت لذلك فعظم عليه عليه السلام الأمر فنادى ، وقيل : إنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل له : ألقى إليه الشيطان أن اللّه تعالى لا يبتلي الأنبياء والصالحين فتألم من ذلك جدا فقال ما قال وفي رواية مر به نفر من بني إسرائيل فقال بعضهم لبعض : ما أصابه هذا إلا بذنب أصابه وهذا نوع من وسوسة الشيطان فعظم عليه ذلك فقال ما قال ، والإسناد على جميع ما ذكر باعتبار الوسوسة ، وقيل غير ذلك واللّه تعالى أعلم . وقوله سبحانه :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ
إما حكاية لما قبل له أو مقول لقول مقدر معطوف على
نادى
أي فقلنا له اركض برجلك أي اضرب بها وكذا قوله تعالى :
هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
فإنه أيضا إما حكاية لما قيل له بعد امتثاله بالأمر ونبوع الماء أو مقول لقول مقدر معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام كأنه قيل : فضربها فنبعت عين فقلنا له هذا مغتسل تغتسل به وتشرب منه فيبرأ ظاهرك وباطنك ، فالمغتسل اسم مفعول على الحذف والإيصال وكذا الشراب ، وعن مقاتل أن المغتسل اسم مكان أي هذا مكان تغتسل فيه وليس بشيء ، وظاهر الآية اتحاد المخبر عنه بمغتسل وشراب ، وقيل : إنه عليه السلام ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها وبرجله اليسرى فنبعت باردة فسرب منها ، وقال الحسن : ركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها ثم مشى نحوا من أربعين ذراعا ثم ركض برجله فنبعت أخرى فشرب منها ، ولعله عنى بالأولى عينا حارة ، وظاهر النظم عدم التعدد . و
بارِدٌ
على ذلك صفة
شَرابٌ
مع أنه مقدم عليه صفة
مُغْتَسَلٌ
وكون هذا إشارة إلى جنس النابع أو يقدر وهذا بارد إلخ تكلف لا يخرج ذلك عن الضعف ، وقيل أمر بالركض بالرجل ليتناثر عنه كل داء بجسده . وكان ذلك على ما روي عن قتادة والحسن ومقاتل بأرض الجابية من الشام ، وفي الكلام حذف أيضا أي فاغتسل وشرب فكشفنا بذلك ما به من ضر
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ
بإحيائهم بعد هلاكهم على ما روي عن الحسن . وروى الطبرسي عن أبي عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه أن اللّه تعالى أحيا له أهله الذين كانوا ماتوا قبل البلية وأهله الذين ماتوا وهو في البلية ، وفي البحر الجمهور على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله وعافى المرضى وجمع عليه من تشتت منهم ، وقيل وإليه أميل وهبه من كان حيا منهم وعافاه من الأسقام وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم من مضى
وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
فكان له ضعف ما كان ، والظاهر أن هذه الهبة كانت في الدنيا ، وزعم بعض أن هذا وعد وتكون تلك الهبة في الآخرة
رَحْمَةً مِنَّا
أي لرحمة عظيمة عليه من قبلنا .
وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
وتذكيرا لهم بذلك ليصبروا على الشدائد كما صبر ويلجئوا إلى اللّه تعالى فيما يصيبهم كما لجأ ليفعل سبحانه بهم فافعل به من حسن العاقبة . روي عن قتادة أنه عليه السلام ابتلي سبع سنين وأشهرا وألقي على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده فصبر ففرج اللّه تعالى عنه وأعظم له الأجر وأحسن ، وعن ابن عباس أنه صار ما بين قدميه إلى قرنه قرحة واحدة وألقي على الرماد حتى بدا حجاب قلبه فكانت امرأته تسعى إليه فقالت له يوما : أما ترى يا أيوب قد نزل بي واللّه من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف فأطعمتك فادع اللّه تعالى أن يشفيك ويريحك فقال : ويحك كنا في النعيم سبعين عاما فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما فكان في البلاء سبع سنين ودعا فجاء جبريل عليه السلام فأخذ بيده ثم قال : قم فقام عن مكانه وقال :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ
فاغتسل وشرب فبرأ وألبسه اللّه تعالى حلة من الجنة فتنحى فجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت : يا عبد اللّه أين المبتلى الذي كان هاهنا ؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة فقال : ويحك