تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وقيل إنه كان في عبادة فأتاه رجل وامرأة متحاكمين إليه فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها وهو نظر مباح فمالت نفسه ميلا طبيعيا إليها فشغل عن بعض نوافله فعوتب لذلك ، وقيل إنه لم يتثبت في الحكم وظلم المدعى عليه قبل سؤاله لما ناله من الفزع وكانت الخصومة بين المتخاصمين وكانا من الإنس على الحقيقة إما على ظاهر ما قص أو على جعل النعجة فيه كناية عن المرأة ، ونقل هذا عن أبي مسلم ، والمقبول من هذه الأقوال ما بعد من الإخلال بمنصب النبوة ، وللقصاص كلام مشهور لا يكاد يصح لما فيه من مزيد الإخلال بمنصبه عليه السلام . ولذا قال علي كرم اللّه تعالى وجهه على ما في بعض الكتب من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وذلك حد الفرية على الأنبياء صلوات اللّه تعالى وسلامه عليهم أجمعين ، وهذا اجتهاد منه كرم اللّه تعالى وجهه ، ووجه مضاعفة الحد على حد الأحرار أنهم عليهم السلام سادة السادة وهو وجه مستحسن إلا أن الزين العراقي ذكر أن الخبر نفسه لم يصح عن الأمير كرم اللّه تعالى وجهه ، وقال أبو حيان : الذي نذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإنس دخلوا عليه من غير المدخل وفي غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظانا أنهم يغتالونه إذ كان منفردا في محرابه لعبادة ربه عزّ وجلّ فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة وبرز منهم اثنان للتحاكم كما قص اللّه تعالى وأن داود عليه السلام ظن دخولهم عليه في ذلك الوقت ومن تلك الجهة ابتلاء من اللّه تعالى له أن يغتالوه فلم يقع ما كان ظنه فاستغفر من ذلك الظن حيث أخلف ولم يكن ليقع مظنونه وخر ساجدا ورجع إلى اللّه تعالى وأنه سبحانه غفر له ذلك الظن فإنه عزّ وجل قال
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ
ولم يتقدم سوى قوله تعالى :
وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ
ونعلم قطعا أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطايا لا يمكن وقوعهم في شيء منها ضرورة إنا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك بطلت الشرائع ولم يوثق بشيء مما يذكرون أنه وحي من اللّه تعالى فما حكى اللّه تعالى في كتابه يمر على ما أراده اللّه تعالى وما حكى القصاص مما فيه نقص لمنصب الرسالة طرحناه ، ونحن كما قال الشاعر :
ونؤثر حكم العقل في كل شبهة * إذا آثر الأخبار جلاس قصاص
انتهى ؛ ويقرب من هذا من وجه ما قيل إن قوما قصدوا أن يقتلوه عليه السلام فتسوروا المحراب فوجدوا عنده أقواما فتصنعوا بما قص اللّه تعالى من التحاكم فعلم غرضهم فقصد أن ينتقم منهم فظن أن ذلك ابتلاء من اللّه تعالى وامتحان له هل يغضب لنفسه أم لا فاستغفر ربه مما عزم عليه من الانتقام منهم وتأديبهم لحق نفسه لعدوله عن العفو الأليق به ، وقيل : الاستغفار كان لمن هجم عليه وقوله تعالى :
فَغَفَرْنا لَهُ
على معنى فغفرنا لأجله ، وهذا تعسف وإن وقع في بعض كتب الكلام ، وعندي أن ترك الأخبار بالكلية في القصة مما لا يكاد يقبله المنصف ، نعم لا يقبل منها ما فيه إخلال بمنصب النبوة ولا يقبل تأويلا يندفع معه ذلك ولا بد من القول بأنه لم يكن منه عليه السلام إلا ترك ما هو الأولى بعلى شأنه والاستغفار منه وهو لا يخل بالعصمة .
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
إما حكاية لما خوطب به عليه السلام مبينة لزلفاه عنده عزّ وجلّ وإما مقول لقول مقدر معطوف على ( غفرنا ) أو حال من فاعله أي وقلنا له أو قائلين له يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض أي استخلفناك على الملك فيها والحكم فيما بين أهلها أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ، وهو على الأول مثل فلان خليفة السلطان إذا كان منصوبا من قبله لتنفيذ ما يريده ، وعلى الثاني من قبيل هذا الولد خليفة عن أبيه أي ساد مسده قائم بما كان يقوم به من غير اعتبار لحياة وموت وغيرهما ، والأول أظهر والمنة به أعظم فهو عليه السلام خليفة اللّه تعالى بالمعنى الذي سمعت ، قال ابن عطية : ولا يقال خليفة اللّه تعالى إلا لرسوله وأما