وبشرهم بإرسال الملائكة إليهم وأنه تعالى يفتح أبواب الرحمة لهم انتهى ، وفيه من البعد ما فيه ، و
فاطِرِ
صفة للّه وإضافته محضة قال أبو البقاء : لأنه للماضي لا غير ، وقال غيره : هو معروف بالإضافة إذ لم يجر على الفعل بل أريد به الاستمرار والثبات كما يقال زيد مالك العبيد جاء أي زيد الذي من شأنه أن يملك العبيد جاء ، ومن جعل الإضافة غير محضة جعله بدلا وهو قليل في المشتقات ، وكذا الكلام في
جاعِلِ
و
رُسُلًا
على القول بأن إضافته غير محضة منصوب به بالاتفاق ، وأما على القول الآخر فكذلك عند الكسائي ، وذهب أبو علي إلى أنه منصوب بمضمر يدل هو عليه لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عنده كسائر البصريين إلا معرفا باللام ، وقال أبو سعيد السيرافي : اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يعمل بالثاني لأنه بإضافته إلى الأول تعذرت إضافته إلى الثاني فتعين نصبه له .
وعلل بعضهم ذلك بأنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله هذا على تقدير كون الجعل تصييريا أما على تقدير كونه إبداعيا فرسلا حال مقدرة ، وقرأ الضحاك والزهري فطر جعل فعلا ماضيا ونصب ما بعده قال أبو الفضل الرازي : يحتمل أن يكون ذلك على إضمار الذي نعتا للّه تعالى أو على تقدير قد فتكون الجملة حالا .
وأنت تعلم أن حذف الموصول الاسمي لا يجوز عند جمهور البصريين ، وذهب الكوفيون والأخفش إلى إجازته وتبعهم ابن مالك وشرط في بعض كتبه كونه معطوفا على موصول آخر ومن حجتهم « آمنوا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم » « 1 » وقول حسان :
أمن يهجو رسول اللّه منكم * وينصره ويمدحه سواء
وقول آخر :
ما الذي دأبه احتياط وحزم * وهواه أطاع يستويان
واختار أبو حيان كون الجملة خبر مبتدأ محذوف أي هو فطر . وقرأ الحسن « جاعل » بالرفع على المدح وجر
الْمَلائِكَةِ
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو « جاعل » بالرفع بلا تنوين ونصب « الملائكة » وخرج حذف التنوين على أنه لالتقاء الساكنين ونصب الملائكة إذا كان جاعل للمضي على مذهب الكسائي وهشام في جواز أعمال الوصف الماضي النصب . وقرأ ابن يعمر وخليد « جعل » فعلا ماضيا « الملائكة » بالنصب وذلك بعد قراءته
فاطِرِ
كالجمهور كقراءة من قرأ :
فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
[ الأنعام : 96 ] وفي الكشاف قرئ « فطر » و « جعل » كلاهما بلفظ الفعل الماضي .
وقرأ الحسن وحميد بن قيس « رسلا » بسكون السين وهي لغة تميم ، وقوله تعالى :
أُولِي أَجْنِحَةٍ
صفة لرسلا وأولو اسم جمع لذو كما إن أولاه اسم جمع لذا ، ونظير ذلك من الأسماء المتمكنة المخاض ، قال الجوهري : هي الحوامل من النوق واحدتها خلفة . و
أَجْنِحَةٍ
جمع جناح صيغة جمع القلة ومقتضى المقام أن المراد به الكثرة .
وفي البحر قياس جمع الكثرة فيه جنح فإن كان لم يسمع كان أجنحة مستعملا في القليل والكثير ، والظاهر أن الجناح بالمعنى المعروف عند العرب بيد أنا لا نعرف حقيقته وكيفيته ولا نقول إنه من ريش كريش الطائر .
نعم أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أن أجنحة الملائكة عليهم السّلام زغبة ، ورأيت في بعض كتب الإمامية أن الملائكة تزدحم في مجالس الأئمة فيقع من ريشها ما يقع وأنهم يلتقطونه ويجعلون منه ثيابا لأولادهم .
هامش
( 1 ) لا يوجد آية بهذا النصّ .