ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية والاتباع لسنّته عليه الصلاة والسّلام اللفظ يعطي العموم ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه صلّى اللّه عليه وسلم فمتعسف ، وأطال الكلام في ذلك ثم قال : وقد ذكر عن السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه صلّى اللّه عليه وسلم في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص انتهى المراد منه ، ثم أن رؤيته صلّى اللّه عليه وسلم يقظة عند القائلين بها أكثر ما تقع بالقلب ثم يترقى الحال إلى أن يرى بالبصر ، واختلفوا في حقيقة المرئي فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم بجسمه وروحه ، وأكثر أرباب الأحوال على أنه مثاله وبه صرح الغزالي فقال : ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل مثالا له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه قال : والآلة تارة تكون حقيقة وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق .
وفصل القاضي أبو بكر بن العربي فقال : رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال واستحسنه الجلال السيوطي وقال : بعد نقل أحاديث وآثار ما نصه فحصل من مجموع هذا الكلام النقول والأحاديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حي بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد اللّه تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليه الصلاة والسّلام عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال ا ه ، وذهب رحمه اللّه تعالى إلى نحو هذا في سائر الأنبياء عليهم السّلام فقال إنهم أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي ، وهذا الذي ذكره من الخروج من القبور ذكر أخبارا كثيرة تشهد له .
منها ما
أخرجه ابن حبان في تاريخه والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن أنس قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا »
ومنها ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن أبي المقدام عن سعيد بن المسيب قال : ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوما ، وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز شيخ صالح ، ومنها ما
ذكره إمام الحرمين في النهاية ثم الرافعي في الشرح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث » زاد إمام الحرمين وروى أكثر من يومين .
والذي يغلب على الظن أن رؤيته صلّى اللّه عليه وسلم بعد وفاته بالبصر ليست كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره ، ولشدة شبه تلك الرؤية بالرؤية البصرية المتعارفة يشتبه الأمر على كثير من الرائين فيظن أنه رآه صلّى اللّه عليه وسلم ببصره الرؤية المتعارفة وليس كذلك ، وربما يقال إنها رؤية قلبية ولقوتها تشتبه بالبصرية ، والمرئي إما روحه عليه الصلاة والسّلام التي هي أكمل الأرواح تجردا وتقدسا بأن تكون قد تطورت وظهرت بصورة مرئية بتلك الرؤية مع بقاء تعلقها بجسده الشريف الحي في القبر السامي المنيف على حد ما قاله بعضهم من أن جبريل عليه السّلام مع ظهوره بين يدي النبي عليه الصلاة والسّلام في صورة دحية الكلبي أو غيره لم يفارق سدرة المنتهى ، وإما جسد مثالي تعلقت به روحه صلّى اللّه عليه وسلم المجردة القدسية ، ولا مانع من أن يتعدد الجسد المثالي إلى ما لا يحصى من الأجساد مع تعلق روحه القدسية عليه من اللّه تعالى ألف ألف صلاة وتحية بكل جسد منها ويكون هذا التعلق من قبيل تعلق الروح الواحدة بأجزاء بدن واحد ولا تحتاج في إدراكاتها وإحساساتها في ذلك التعلق إلى ما تحتاج إليه من الآلات في تعلقها بالبدن في الشاهد ، وعلى ما ذكر يظهر وجه ما نقله الشيخ
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 215
مساهمون: الآلوسي
ص٢١٥