تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وجوز أن يراد بقوله تعالى :
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
إلخ العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم لحديث عائشة « 1 » رضي اللّه تعالى عنها قالت : « قال رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إني لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد » و حديث ابن عباس « 2 » قال : قال عليه الصلاة والسلام وضع عن أمتي الخطأ والنسيان « وما أكرهوا عليه » ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده ، والجملة على تقديري الخصوص والعموم واردة على سبيل الاعتراض التذييلي تأكيدا لامتثال ما ندبوا إليه مع ادماج حكم مقصود في نفسه ، وجعلها بعضهم عطفا مؤولا بجملة طلبية على معنى ادعوهم لآبائهم هو أقسط لكم ولا تدعوهم لأنفسكم متعمدين فتأثموا على تقدير الخصوص وجملة مستطردة على تقدير العموم وتعقب بأنه تكلف عنه مندوحة ، وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه ، ولعل ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية ، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة يا ابني وكثيرا ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة . وفي حواشي الخفاجي على تفسير البيضاوي النبوة وإن صح فيها التأويل كالإخوة لكن نهي عنها بالتشبيه بالكفرة والنهي للتنزيه انتهى ، ولعله لم يرد بهذا النهي ما تدل عليه الآية المذكورة فإن ما تدل عليه نهي التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية ، والأولى أن يقال في تعليل النهي : سدا لباب التشبيه بالكفرة بالكلية ، وهذا الذي ذكره الخفاجي من كراهة قول الشخص لولد غيره يا ابني حكاه لي من أرتضيه عن فتاوى ابن حجر الكبرى ، وحكم التبني بقوله : هو ابني إن كان عبدا للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان بحيث يولد مثله لمثله ولم يقر قبله بنسب من غيره ، وعند الشافعي لا عبرة بالتبني فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب ، وتحقيق ذلك في موضعه ، ثم الظاهر أنه لا فرق إذا لم يعرف الأب بين أن يقال يا أخي وأن يقال يا مولاي في أن كلا منهما مباح مطلقا حينئذ لكن صرح بعضهم بحرمة أن يقال للفاسق يا مولاي لخبر في ذلك ، وقيل : لما أن فيه تعظيمه وهو حرام ، ومقتضاه أن قول يا أخي إذا كان فيه تعظيم بأن كان من جليل الشأن حرام أيضا ، فلعل الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوص بما إذا لم يكن فاسقا ودليل التخصيص هو دليل حرمة تعظيم الفاسق فتدبر ، وكذا الظاهر أنه لا فرق في أمر الدعوة بين كون المدعو ذكرا وكونه أنثى لكن لم نقف على وقوع التبني للإناث في الجاهلية واللّه تعالى أعلم
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً
فيغفر للعامد إذا تاب
رَحِيماً
ولذا رفع سبحانه الجناح عن المخطئ ، ويعلم من الآية أنه لا يجوز انتساب الشخص إلى غير أبيه ، وعد ذلك بعضهم من الكبائر لما أخرج الشيخان ، وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام » . و أخرج الشيخان أيضا « من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة اللّه تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل اللّه تعالى منه صرفا ولا عدلا » و أخرجا أيضا « ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلّا كفر » . و أخرج الطبراني في الصغير من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه حسن قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كفر من تبرأ من نسب وإن دق أو ادعى نسبا لا يعرف » إلى غير ذلك من الأخبار ، هذا ومناسبة قوله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ
إلخ لما قبله أنه شروع في ذكر شيء من الوحي الذي أمر صلّى اللّه عليه وسلم في اتباعه كذا قيل ، وقيل : إنه تعالى لما أمر
هامش
( 1 ) أخرجه ابن مردويه ا ه منه . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة ا ه منه .