تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
قطاع لا يبقي شيئا إلّا قطعه وناقة جراز إذا كانت تأكل كل شيء فلا تبقي شيئا إلّا قطعته بفيها ورجل « 1 » جروز أي أكول ، قال الراجز : خب جروز وإذا جاع بكى وقال الراغب : الجرز منقطع النبات من أصله وأرض مجروزة أكل ما عليها ، وفي مثل لا ترضى شانئة إلّا بجروزة أي بالاستئصال ، والجارز الشديد من السعال تصور منه معنى الجرز وهو القطع بالسيف ا ه ، ويفهم مما قاله أن الجرز يطلق على ما انقطع نباته لكونه ليس من شأنه الإنبات كالسباخ وهو غير مناسب هنا لقوله تعالى :
فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً
والظاهر أن المراد الأرض المتصفة بهذه الصفة أي أرض كانت ، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام . وأخرج هو وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن ، وإلى عدم التعيين ذهب مجاهد ، أخرج عنه جماعة أنه قال : الأرض الجرز هي التي لا تنبت وهي أبين ونحوها من الأرض وقرئ « الجرز » بسكون الراء ، وضمير
بِهِ
للماء والكلام على ظاهره عند السلف الصالح وقالت الأشاعرة : المراد فنخرج عنده ، والزرع في الأصل مصدر وعبر به عن المزروع والمراد به ما يخرج بالمطر مطلقا فيشمل الشجر وغيره ولذا قال سبحانه :
تَأْكُلُ مِنْهُ
أي من ذلك الزرع
أَنْعامُهُمْ
كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها
وَأَنْفُسُهُمْ
كالبقول والحبوب التي يقتاتها الإنسان ، وفي البحر يجوز أن يراد بالزرع النبات المعروف وخص بالذكر تشريفا له ولأنه أعظم ما يقصد من النبات ، ويجوز أن يراد به النبات مطلقا ، وقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على ذلك والإنسان قد يتغذى بغيره ولأن أكلها منه مقدم لأنها تأكله قبل أن يثمر ويخرج سنبله ، وقيل ليترقى من الأدنى إلى الأشرف وهم بنو آدم . وقرأ أبو حيوة ، وأبو بكر في رواية « يأكل » بالياء التحتية
أَ فَلا يُبْصِرُونَ
أي ألا يبصرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على كمال قدرته تعالى وفضله عزّ وجلّ ، وجعلت الفاصلة هنا
يُبْصِرُونَ
لأن ما قبله مرئي وفيما قبله
يَسْمَعُونَ
لأن ما قبله مسموع ، وقيل : ترقيا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ورفع العذر . وقرأ ابن مسعود « يبصرون » بالتاء الفوقية
وَيَقُولُونَ
على وجه التكذيب والاستهزاء
مَتى هذَا الْفَتْحُ
أي الفصل للخصومة بينكم وبيننا ، وكأن هذا متعلق بقوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وقيل : أي النصر علينا ، أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن قتادة قال : قال الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم إن لنا يوما يوشك أن نستريح فيه وننتقم فيه فقال المشركون : متى هذا الفتح إلخ فنزلت
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي في أن اللّه تعالى هو يفصل بين المحقين والمبطلين ، وقيل : في أن اللّه تعالى ينصركم علينا .
قُلْ
تبكيتا لهم وتحقيقا للحق
يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
أخرج الفريابي ، وابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : يوم الفتح يوم القيامة ، وهو كما في البحر منصوب بلا ينفع ، والمراد بالذين كفروا إما أولئك القائلون المستهزءون فالإظهار في مقام الإضمار لتسجيل كفرهم وبيان علة الحكم ، وإما ما يعمهم وغيرهم وحينئذ يعلم حكم أولئك المستهزئين بطريق برهاني ، والمراد من
هامش
( 1 ) قوله جروز أي أكول قال الراغب هو الذي يأكل ما على الخوان ا ه منه .
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 137 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية