تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 102 إلى 112 ]

لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ ( 102 ) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 ) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 ) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ( 110 ) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 111 ) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 112 )
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
أي صوتها الذي يحس من حركتها ، والجملة بدل من « مبعدون » ، وجوز أن تكون حالا من ضميره ، وأن تكون خبرا بعد خبر ، واستظهر كونها مؤكدة لما أفادته الجملة الأولى من بعدهم عنها ، وقيل إن الأبعاد يكون بعد القرب فيفهم منه أنه أوردها أولا ، ولما كان مظنة التأذي بها دفع بقوله سبحانه
لا يَسْمَعُونَ
فهي مستأنفة لدفع ذلك ، فعلى هذا يكون عدم سماع الحسيس قبل الدخول إلى الجنة ، ومن قال به قال : إن ذلك حين المرور على الصراط وذلك لأنهم على ما ورد في بعض الآثار يمرون عليها وهي خامدة لا حركة لها حتى أنهم يظنون وهم في الجنة أنهم لم يمروا عليها ، وقيل لا يسمعون ذلك لسرعة مرورهم وهو ظاهر ما أخرجه ابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال في الآية : أولئك أولياء اللّه تعالى يمرون على الصراط مرا هو أسرع من البرق فلا تصيبهم ولا يسمعون حسيسها ويبقى الكفار جثيا ، لكن جاء في خبر آخر رواه عنه ابن أبي حاتم أيضا وابن جرير أنه قال في
لا يَسْمَعُونَ
إلخ لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منازلهم في الجنة ، وقيل إن الابعاد عنها قبل الدخول إلى الجنة أيضا ، والمراد بذلك حفظ اللّه تعالى إياهم عن الوقوع فيها كما يقال أبعد اللّه تعالى فلانا عن فعل الشر ، والأظهر أن كلا الأمرين بعد دخول الجنة وذلك بيان لخلاصهم عن المهالك والمعاطب . وقوله تعالى :
وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ
بيان بفوزهم بالمطالب بعد ذلك الخلاص ، والمراد أنهم دائمون في غاية التنعم ، وتقديم الظرف للقصر والاهتمام ورعاية الفواصل . وقوله تعالى :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
بيان لنجاتهم من الإفزاع بالكلية بعد نجاتهم من النار لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر الإفزاع لم يحزنهم ما عداه بالضرورة كذا قيل ، وليلاحظ ذلك مع ما جاء في الاخبار أن النار تزفر في الموقف زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه فإن قلنا : إن ذلك لا ينافي عدم الحزن فلا إشكال وإذا قلنا : إنه ينافي فهو مشكل إلا أن يقال : إن ذلك لقلة زمانه وسرعة الأمن مما يترتب عليه نزل منزلة العدم فتأمل ، والفزع كما قال الراغب انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ويطلق على الذهاب بسرعة لما يهول . واختلف في وقت هذا الفزع فعن الحسن وابن جبير وابن جريج أنه حين انصراف أهل النار إلى النار . ونقل عن الحسن أنه فسر الفزع الأكبر بنفس هذا الانصراف فيكون الفزع بمعنى الذهاب المتقدم ، وعن الضحاك أنه حين وقوع طبق جهنم عليها وغلقها على من فيها ، وجاء ذلك في رواية ابن أبي الدنيا عن ابن عباس ، وقيل