تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى قال كما في صحيح البخاري وغيره : « يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه تعالى وتوبي إليه » . و جاء في بعض الروايات « يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر اللّه تعالى لك » وكذا خفي على صاحبه أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه رأسها فقالت : ألا عذرتني فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم ؟ . وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من الشروط الشرعية والعادية ، كما قال اللقاني فيجوز أن يقال : إنه لم يكن معلوما قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة ، وأما دعوى علم من ذكر به فلا دليل عليها ، وقولهم ذلك يجوز أن يكون ناشئا عن حسن الظن لا عن علم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة ، ويشهد لهذا نظرا إلى بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي اللّه تعالى عنها ؟ قال : بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة يا أم أيوب ؟ قالت : لا واللّه فقال : فعائشة رضي اللّه تعالى عنها واللّه خير منك وأطيب إنما هذا كذب وإفك باطل ، وروى قريبا منه الحاكم وابن عساكر أيضا عن أفلح مولى أبي أيوب ، ولعله المعني ببعض الأنصار في الخبر السابق ، ولم يقل صلّى اللّه عليه وسلّم نحو ذلك لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة والسلام والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن ، ويمكن أن يكون قولهم ذلك ناشئا عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه . وجوز أن يدعى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان عالما بعدم جواز فجور نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة البعثة لكن أراد عليه الصلاة والسلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي اللّه تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيه خفاء عند أحد من الصحابة الكرام رضي اللّه تعالى عنهم ، وما عراه من الهم إنما هو أمر طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل بين الناس ، ويحتمل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان عالما بأن السلامة من المنفر من شروط النبوة لكن خشي من اللّه عزّ وجل الذي لا يجب عليه شيء أن لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق النفرة في القلوب عليه ليمنع من الاتباع فتختل حكمة البعثة فداخله عليه الصلاة والسلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم ، ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة والسلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح بحيث لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر كذلك حتى تمطر السماء . وقيل يجوز أن لا يعد فجور الزوجة منفرا إلا إذا أمسكت بعد العلم به فلم لا يجوز أن يقع فيجب طلاقها وإذا طلقت لا يتحقق المنفر المخل بالحكمة ، هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الاحتمالات من البحث بل بعضها في غاية البعد عن ساحة القبول ، ولعل الحق أنه عليه الصلاة والسلام قد أخفي عليه أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الابتلاء وغيره مما اللّه تعالى أعلم به . وإن قول أولئك الأصحاب رضي اللّه تعالى عنهم : سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئا إلا عن حسن الظن ، ولم يتمسك به صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه لا يحسم القال والقيل ولا يرد