تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
والفلاح الفوز بالمرام ، وقيل : البقاء في الخير والإفلاح الدخول في ذلك كالإبشار الذي هو الدخول بالبشارة ، وقد يجيء متعديا وعليه قراءة طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد « أفلح » بالبناء للمفعول ، و
قَدْ
لثبوت أمر متوقع وتحققه ، والظاهر أنه هنا الفلاح لأن قد دخلت على فعله وهو متوقع الثبوت من حال المؤمنين ، وجعله الزمخشري الأخبار بثباته وذلك لأن الفلاح مستقبل أبرز في معرض الماضي مؤكدا بقد دلالة على تحققه فيفيد تحقق البشارة وثباتها كأنه قيل : قد تحقق أن المؤمنين من أهل الفلاح في الآخرة ، وجوز أن يكون جملة
قَدْ أَفْلَحَ
جواب قسم محذوف وقد ذكر الزجاج في قوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[ الشمس : 9 ] أنه جواب القسم المذكور قبله بتقدير اللام . وقرأ ورش عن نافع « قد أفلح » بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها لفظا لالتقاء الساكنين كما قال أبو البقاء وهما الهمزة الساكنة بعد نقل حركتها والدال الساكنة بحسب الأصل لأنه لا يعتد بحركتها العارضة . وقرأ طلحة أيضا « وقد أفلحوا » بضم الهمزة والحاء وإلقاء واو الجمع وهي مخرجة على لغة أكلوني البراغيث ، وقول ابن عطية هي قراءة مردودة مردود ، وعن عيسى بن عمر قال : سمعت طلحة يقرأ « قد أفلحوا المؤمنون » فقلت له : أتلحن ؟ قال : نعم كما لحن أصحابي ، ولعل مراده أن مرجع قراءتي الرواية ومتى صحت في شيء لا يكون لحنا في نفس الأمر وإن كان كذلك ظاهرا ، وإثبات الواو في الرسم مروي عن كتاب ابن خالويه . وفي اللوامح أنها حذفت في الدرج لالتقاء الساكنين وحملت الكتابة على ذلك فهي محذوفة فيها أيضا ، ونظير ذلك
يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ
[ الشورى : 24 ] وقد جاء حذف الواو لفظا وكتابة والاكتفاء بالضمة الدالة عليها كما في قوله :
ولو أن الأطباء كان حولي * وكان مع الأطباء الاساة
وهو ضرورة عند بعض النحاة ، والمراد بالمؤمنين قيل إما المصدقون بما علم ضرورة أنه من دين نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من التوحيد والنبوة والحشر الجسماني والجزاء ونظائرها فقوله تعالى :
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
وما عطف عليه صفات مخصصة لهم ، وإما الآتون بفروعه أيضا كما ينبئ عنه إضافة الصلاة إليهم فهي صفات موضحة أو مادحة لهم ، وفي بعض الآثار ما يؤيد كونها مخصصة وجعل الزمخشري الإضافة للإشارة إلى أنهم هم المنتفعون بالصلاة دون المصلى له عزّ وجل ، والخشوع التذلل مع خوف وسكون للجوارح ، ولذا قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير وغيره خاشعون خائفون ساكنون وعن مجاهد أنه غض البصر وخفض الجناح ، وقال مسلم بن يسار وقتادة : تنكيس الرأس ، وعن علي كرّم اللّه تعالى وجهه ترك الالتفات ، وقال الضحاك : وضع اليمين على الشمال . وعن أبي الدرداء إعظام المقام وإخلاص المقال واليقين التام وجمع الاهتمام ، ويتبع ذلك ترك الالتفات وهو من