تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
الذي عاقب نفسه بالمجاهدة بعد أن عاقبته بالمخالفة ثم ظلمته باستيلاء صفاتها
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
أخذ الصوفية منه ترك الجدال مع المنكرين . وذكر بعضهم أن الجدال معهم عبث كالجدال مع العنين في لذة الجماع
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ
الآية فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور وهم في زماننا كثيرون فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، وفي قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
إلخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء اللّه تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن اللّه تعالى وينذرون لهم النذور والعقلاء منهم يقولون : إنهم وسائلنا إلى اللّه تعالى وإنما ننذر للّه عزّ وجل ونجعل ثوابه للولي ، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين إنما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى ، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم ذلك شفاء مريضهم أورد غائبهم أو نحو ذلك ، والظاهر من حالهم الطلب ، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل : أنذروا للّه تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا ، ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم ، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا : ثبت ذلك بالكشف قاتلهم اللّه تعالى ما أجهلهم وأكثر افترائهم ، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة ، وعلماؤهم يقولون : إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة ، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة في اليهود والنصارى ، وكذا لأهل النحل والدهرية ، نسأل اللّه تعالى العفو والعافية .
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
شامل لجميع أنواع المجاهدة ، ومنها جهاد النفس وهو بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين ، وجهاد الروح بإفناء الوجود ، وقد قيل : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب .
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ
تمسكوا به جل وعلا في جميع أحوالكم
هُوَ مَوْلاكُمْ
على الحقيقة
فَنِعْمَ الْمَوْلى
في إفناء وجودكم
وَنِعْمَ النَّصِيرُ
في إبقائكم ، وما أعظم هذه الخاتمة لقوم يعقلون وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد للّه رب العالمين .
هامش
تم والحمد للّه الجزء السابع عشر ويليه إن شاء اللّه تعالى الجزء الثامن عشر وأوله « سورة المؤمنين » .
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 202 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية