تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
عنهما أنه أمر بصلة الأرحام ومكارم الأخلاق
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي افعلوا كل ذلك وأنتم راجون به الفلاح غير متيقنين به واثقين بأعمالكم ، والآية آية سجدة عند الشافعي وأحمد وابن المبارك وإسحاق رضي اللّه تعالى عنهم لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ولما تقدم عن عقبة بن عامر رضي اللّه تعالى عنه قال قلت : يا رسول اللّه أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين ؟ قال : نعم فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما ، وبذلك قال علي كرم اللّه تعالى وجهه ، وعمر وابنه عبد اللّه وعثمان وأبو الدرداء وأبو موسى وابن عباس في إحدى الروايتين عنه رضي اللّه تعالى عنهم ، وذهب أبو حنيفة ومالك والحسن وابن المسيب وابن جبير وسفيان الثوري رضي اللّه تعالى عنهم إلى أنها ليست آية سجدة ، قال ابن الهمام : لأنها مقرونة بالأمر بالركوع والمعهود في مثله من القرآن كونه أمرا بما هو ركن للصلاة بالاستقراء نحو
اسْجُدِي وَارْكَعِي
[ آل عمران : 43 ] وإذا جاء الاحتمال سقط الاستدلال ، وما روي من حديث عقبة قال الترمذي : إسناده ليس بالقوي وكذا قال أبو داود وغيره انتهى . وانتصر الطيبي لإمامه الشافعي رضي اللّه تعالى عنه فقال : الركوع مجاز عن الصلاة لاختصاصه بها وأما السجود فلما لم يختص حمل على الحقيقة لعموم الفائدة ولأن العدول إلى المجاز من غير صارف أو نكتة غير جائز والمقارنة لا توجب ذلك ، وتعقبه صاحب الكشف بأن للقائل أن يقول : المقارنة تحسن ، وتوافق الأمرين في الفرضية أو الإيجاب على المذهبين من المقتضيات أيضا ، ثم رجع إلى الانتصار فقال : الحق إن السجود حيث ثبت ليس من مقتضى خصوص تلك الآية لأن دلالة الآية غير مقيدة بحال التلاوة ، بل إنما ذلك بفعل الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو قوله فلا مانع من كون الآية دالة على فرضية سجود الصلاة ومع ذلك تشرع السجدة عند تلاوتها لما ثبت من الرواية الصحيحة ، وفيه أنه إن أراد أن ما ثبت دليل مستقل على مشروعيتها من غير مدخل للآية فذلك على ما فيه مما لم لا يقله الشافعي ولا غيره ، وإن أراد أن الآية تدل على ذلك كما تدل على فرضية سجود الصلاة وما ثبت كاشف عن تلك الدلالة فذلك قول بخفاء تلك الدلالة والتزام أن الأمر بالسجود لمطلق الطلب الشامل لما كان على سبيل الإيجاب كما في طلب سجود الصلاة ولما كان على سبيل الندب كما في طلب سجود التلاوة فإنه سنة عند الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ولعله يتعين عنده ذلك ولا محذور فيه بل لا معدل عنه إن صح الحديث لكن قد سمعت آنفا ما قيل فيه ، ولك أن تقول : إنه قد قوي بما أخرجه أبو داود وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن عمرو بن العاص أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل . وفي سورة الحج سجدتان وبعمل كثير من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم الظاهر في كونه عن سماع منه صلّى اللّه عليه وسلّم أو رؤية لفعله ذلك
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ
أي للّه تعالى أو في سبيله سبحانه ، والجهاد كما قال الراغب استفراغ الوسع في مدافعة العدو وهو ثلاثة أضرب . مجاهدة العدو الظاهر كالكفار ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس وهي أكبر من مجاهدة العدو الظاهرة كما يشعر به ما أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال : قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قوم غزاة فقال : « قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قيل وما الجهاد الأكبر ؟ قال مجاهدة العبد هواه » وفي إسناده ضعف مغتفر في مثله . والمراد هنا عند الضحاك جهاد الكفار حتى يدخلوا في الإسلام ، ويقتضي ذلك أن تكون الآية مدنية لأن الجهاد إنما أمر به بعد الهجرة وعند عبد اللّه بن المبارك جهاد الهوى والنفس ، والأولى أن يكون المراد به ضروبه الثلاثة وليس ذلك من الجمع بين الحقيقة والمجاز في شيء ، وإلى هذا يشير ما روي جماعة عن الحسن أنه قرأ الآية وقال : إن الرجل ليجاهد في اللّه تعالى وما ضرب بسيف ، ويشمل ذلك جهاد المبتدعة والفسقة فإنهم أعداء أيضا ويكون
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 198 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية