تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
بلغ الغاية . وفي نحر القرابين إتلاف أرواح عن تدبير أجسام حيوانية لتتغذى بها أجسام إنسانية فتنظر أرواحها إليها في حال تفريقها فتدبرها إنسانية بعد ما كانت تدبرها إبلا أو بقرا ، وهذه مسألة دقيقة لم يفطن لها إلا من نور اللّه تعالى بصيرته من أهل اللّه تعالى انتهى . وتعقله مفوض إلى أهله فاجهد أن تكون منهم .
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
حسبما يحصل لهم من التجلي عند ذلك ، وقد يحصل من الذكر طمأنينة القلب لاقتضاء التجلي إذ ذلك ، وذكر بعضهم أن لكل اسم تجليا خاصا فإذا ذكر اللّه تعالى حصل حسب الاستعداد ومن هاهنا يحصل تارة وجل وتارة طمأنينة ؛ و
إِذا
لا تقتضي الكلية بل كثيرا ما يؤتى بها في الشرطية الجزئية ، وقيل العارف متى سمع الذكر من غيره تعالى وجل قلبه ومتى سمعه منه عزّ وجل اطمأن . ويفهم من ظاهر كلامهم أن السامع للذكر إما وجل أو مطمئن ولم يصرح بقسم آخر فإن كان فالباقي على حاله قبل السماع ، وأكثر مشايخ زماننا يرقصون عند سماع الذكر فما أدري أن يشأ رقصهم عن وجل منه تعالى أم عن طمأنينة ؟ وسيظهر ذلك يوم تبلى السرائر وتظهر الضمائر
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ
قد تقدم لك أنهم ينحرون البدن معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها ، وذكروا في سر ذلك أنه لما كان نحرها قربة أراد صلّى اللّه عليه وسلّم المناسبة في صفة نحرها في الوترية فأقامها على ثلاث قوائم لأن اللّه تعالى وتر يحب الوتر والثلاثة أو الإفراد فلها أول المراتب في ذلك والأولية وترية أيضا ، وجعلها قائمة لأن القيومية مثل الوترية صفة إلهية فيذكر الذي ينحرها مشاهدة القائم على كل نفس بما كسبت ، وقد صح أن المناسك إنما شرعت لإقامة ذكر اللّه تعالى ، وشفع الرجلين لقوله تعالى :
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ
[ القيامة : 29 ] وهو اجتماع أمر الدنيا بالآخرة ، وأفرد اليمين من يد البدن حتى لا تعتمد إلا على وتر له الاقتدار . وكان العقل في اليد اليسرى لأنها خلية عن القوة التي لليمنى والقيام لا يكون إلا عن قوة . و قد أخرج مسلم عن ابن عباس أنه قال : « صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت عنها الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته » الحديث . والسر في كون هديه عليه الصلاة والسلام من الإبل مع أنه جاء فيها أنها شياطين ولذا كرهت الصلاة في معاطنها الإشارة إلى أن مقامه عليه الصلاة والسلام رد البعداء من اللّه تعالى إلى حال التقريب . وفي إشعارها في سنامها الذي هو أرفع ما فيها إشعار منه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه عليه الصلاة والسلام أتى عليهم من صفة الكبرياء الذي كانوا عليه في نفوسهم فليتجنبوها فإن الدار الآخرة إنما جعلت للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، ووقع الإشعار في الصفحة اليمنى لأن اليمين محل الاقتدار والقوة ، والصفحة من الصفح ففي ذلك إشعار بأن اللّه تعالى يصفح عمن هذه صفته إذا طلب القرب من اللّه تعالى وزال عن كبريائه الذي أوجب له البعد ، وجعل عليه الصلاة والسلام الدلالة على إزالة الكبرياء في شيطنة البدن في تعليق النعال في رقابها إذ لا يصفع بالنعال إلا أهل الهون والمذلة ومن كان بهذه المثابة فما بقي فيه كبرياء تشهد ، وعلق النعال بقلائد العهن ليتذكر بذلك ما أراد اللّه تعالى وتكون الجبال كالعهن المنفوش ، وقد ذكروا لجميع أفعال الحج أسرارا من هذا القبيل ، وعندي أن أكثرها تعبدية وأن أكثر ما ذكروه من قبيل الشعر واللّه تعالى الموفق للسداد .
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا
كلام مستأنف مسوق لتوطين قلوب المؤمنين ببيان أن اللّه تعالى ناصرهم على أعدائهم بحيث لا يقدرون على صدهم عن الحج وذكر أن ذلك متصل بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ
[ الحج : 25 ] وإن ما وقع في البين من ذكر الشعائر مستطردا لمزيد تهجين فعلهم وتقبيحهم لازدياد قبح الصد بازدياد