وقيل : كان ذلك إن قالوا : إن كان هذا ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر ، وروي ذلك عن قتادة ، وعلى هذه الأقوال يكون المراد من
أَمْرَهُمْ
أمر موسى عليه السّلام وإضافته إليهم لأدنى ملابسة لوقوعه فيما بينهم واهتمامهم به ويكون أسرارهم من فرعون وملئه ، ويحمل قولهم :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
إلخ على أنهم اختلفوا فيما بينهم من الأقاويل المذكورة ثم استقرت آراؤهم على ذلك وأبوا إلا المناصبة للمعارضة وهو كلام مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل : فما ذا قالوا للناس بعد تمام التنازع فقيل :
قالُوا إِنْ هذانِ
إلخ .
وجعل الضمير في
قالُوا
: لفرعون وملئه على أنهم قالوا ذلك للسحرة ردا لهم عن الاختلاف وأمرا بالإجماع والإزماع وإظهار الجلادة مخل بجزالة النظم الكريم كما يشهد به الذوق السليم ، نعم لو جعل ضمير « تنازعوا » والضمائر الذي بعده لهم كما ذهب إليه أكثر المفسرين أيضا لم يكن فيه ذلك الإخلال وإن مخففة من أن وقد أهملت عن العمل واللام فارقة .
وقرأ ابن كثير بتشديد نون
هذانِ
وهو على خلاف القياس للفرق بين الأسماء المتمكنة وغيرها .
وقال الكوفيون : إن نافية واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران . ويؤيده أنه قرئ كذلك . وفي رواية عن أبي أنه قرى « إن هذان إلا ساحران » . وقرئ « إن ذان » بدون هاء التنبيه « إلا ساحران » . وعزاها ابن خالويه إلى عبد اللّه وبعضهم إلى أبي وهي تؤيد ذلك أيضا . وقرئ « إن ذان لساحران » بإسقاط هاء التنبيه فقط .
وقرأ أبو جعفر والحسن وشيبة والأعمش وطلحة وحميد وأيوب وخلف في اختياره وأبو عبيد وأبو حاتم وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير : وابن جبير الأنطاكي . والأخوان . والصاحبان من السبعة « إنّ » بتشديد النون « هذان » بألف ونون خفيفة ، واستشكلت هذه القراءة حتى قيل : إنها لحن وخطأ بناء على ما أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن عن هشام بن عروة عن أبيه قال : سألت عائشة رضي اللّه تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
. وعن قوله تعالى
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ
[ النساء : 162 ] وعن قوله تعالى
وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ
[ المائدة : 69 ] فقالت : يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب ، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الجلال السيوطي . وهذا مشكل جدا إذ كيف يظن بالصحابة أولا أنهم يلحنون في الكلام فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللد ، ثم كيف يظن بهم ثانيا الغلط في القرآن الذي تلقوه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما أنزل ولم يألوا جهدا في حفظه وضبطه وإتقانه ، ثم كيف يظن بهم ثالثا اجتماعهم كلهم على الخطا وكتابته ، ثم كيف يظن بهم رابعا عدم تنبههم ورجوعهم عنه ، ثم كيف يظن خامسا الاستمرار على الخطا وهو مروي بالتواتر خلفا عن سلف ولو ساغ مثل ذلك لارتفع الوثوق بالقرآن .
وقد خرجت هذه القراءة على وجوه الأول أن
إِنْ
بمعنى نعم وإلى ذلك ذهب جماعة منهم المبرد والأخفش الصغير وأنشدوا قوله :
بكر العواذل في الصبو * ح يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا * ك وقد كبرت فقلت إنه
والجيد الاستدلال بقول ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما لمن قال له : لعن اللّه ناقة حملتني إليك إن وراكبها إذ قد قيل : في البيت إنا لا نسلم أن إن فيه بمعنى نعم والهاء للسكت بل هي الناصبة والهاء ضمير منصوب بها والخبر محذوف أي إنه كذلك ولا يصح أن يقال : إنها في الخبر كذلك وحذف الجزءان لأن حذف الجزأين جميعا لا يجوز .
وضعف هذا الوجه بأن كونها بمعنى نعم لم يثبت ، أو هو نادر . وعلى تقدير الثبوت من غير ندرة ليس قبلها ما يقتضي