تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
عليه السّلام كان يتوكأ على العصا والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتكل على فضل اللّه تعالى ورحمته قائلا مع أمته وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، ولذا ورد في حقه
حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأنفال : 64 ] على معنى وحسب من اتبعك . وأيضا إنه عليه السّلام بدأ بمصالح نفسه في قوله :
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
ثم مصالح رعيته بقوله :
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي
والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يشتغل إلا بإصلاح أمر أمته اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، فلا جرم يقول موسى عليه السّلام يوم القيامة . نفسي نفسي والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أمتي أمتي » انتهى ، وهو مأخوذ من كلام الإمام بل لا فرق إلا بيسير جدا . ولعمري إنه لا ينبغي أن يقتدى به في مثل هذا الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام . وإنما نقلته لأنبه على عدم الاغترار به نعوذ باللّه تعالى من الخذلان
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
لم يذكر عليه السّلام بم يشرح صدره وفيه احتمالات . قال بعض الناس : إنه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور . الأول ذاته جل شأنه
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النور : 35 ] الثاني الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ
[ المائدة : 15 ] ، الثالث الكتاب
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
[ الأعراف : 157 ] . الرابع الإيمان
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ
[ التوبة : 32 ] . الخامس عدل اللّه تعالى
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
[ الزمر : 69 ] . السادس القمر
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً
[ نوح : 16 ] . السابع النهار
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ الأنعام : 1 ] . الثامن البينات
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ
[ المائدة : 44 ] ، التاسع الأنبياء عليهم السّلام
نُورٌ عَلى نُورٍ
[ النور : 35 ] ، العاشر المعرفة
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] فكان موسى عليه السّلام قال أولا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
بمعرفة أنوار جلال كبريائك ، وثانيا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك ، وثالثا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك ، ورابعا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
بنور الإيمان والإيقان بإلهيتك ، وخامسا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك . وسادسا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السّلام ، وسابعا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
من مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل قهرك ، وثامنا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسماواتك ، وتاسعا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
في أن أكون خلف صدق للأنبياء المتقدمين ومشابها لهم في الانقياد لحكم رب العالمين ، وعاشرا
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
بأن يجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح انتهى . ولا يخفى ما بين أكثر ما ذكر من التلازم وإغناء بعضه عن بعض ، وقال أيضا : إن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير كالسراج ، ولا يخفى أن مستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن ، فالزند زند المجاهد
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا
[ العنكبوت : 69 ] والحجر حجر التضرع
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف : 205 ] والحراق منع الهوى ونهي النفس عن الهوى والكبريت الإنابة
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
[ الزمر : 54 ] والمسرجة الصبر
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
[ البقرة : 45 ] والفتيلة الشكر و
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] والدهن : الرضا
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
[ الطور : 48 ] أي ارض بقضائه ، ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك جل وعلا قائلا :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي