تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
حروف المعجم مسرودة على نمط التعديد افتتحت بها السورة لا محل له من الإعراب ، وكذا ما بعده من قوله تعالى :
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
فإنه استئناف مسوق لتسليته صلّى اللّه عليه وسلّم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب فإن الشقاء شائع في ذلك المعنى ، ومنه المثل أشقى من رائض مهر ، وقول الشاعر :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
أي ما أنزلناه عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العتاة ومحاورة الطغاة وفرط التأسف على كفرهم به والتحسر على أن يؤمنوا به كقوله تعالى شأنه
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ
[ الكهف : 6 ] الآية بل لتبلغ وتذكر وقد فعلت فلا عليك إن لم يؤمنوا بعد ذلك أو لصرفه عليه الصلاة والسّلام عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة كما سمعت فيما أخرج ابن مردويه عن علي كرم اللّه تعالى وجهه أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة والشدائد الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفة السمحة ، وقال مقاتل : إن أبا جهل والنضر بن الحارث والمطعم قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما رأوا كثرة عبادته : إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به فرد اللّه تعالى عليهم ذلك بأنا ما أنزلناه عليك لما قالوا . والشقاء في كلامهم يحتمل أن يكون بمعناه الحقيقي وهو ضد السعادة والتعبير به في كلامه تعالى من باب المشاكلة وإن أريد منه القرآن بتأويله بالمتحدى به من جنس هذه الحروف . فجوز فيه أن يكون محله الرفع على الابتداء والجملة بعده خبره ، وقد أقيم فيها الظاهر أعني القرآن مقام الضمير الرابط لنكتة وهو أن القرآن رحمة يرتاح لها فكيف ينزل للشقاء ، وقيل : الخبر محذوف ، وقيل : هو خبر لمبتدأ محذوف . والجملة على القولين مستأنفة . وجوز أن يكون محله النصب على إضمار أتل . وقيل : على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب بفعله مضمرا نحو قوله : إن على اللّه أن تبايعا وجوز أن يكون محله الجر بتقدير حرف القسم نظير قوله من وجه أشارت كليب بالأكف الأصابع والجملة بعده على تقدير إرادة القسم جواب القسم . وجوزت هذه الاحتمالات على تقدير أن يكون المراد منه السورة . وأمر ربط الجملة على تقدير ابتدائيته وخبريتها إن كان القرآن خاصا بهذه السورة باعتبار كون تعريفه عهديا حضوريا ظاهر . وإن كان عاما فالربط به لشموله للمبتدأ كما قيل في نحو زيد نعم الرجل . ومنع بعضهم إرادة السورة مطلقا لاتفاق المصاحف على ذكر سورة في العنوان مضافة إلى طه وحينئذ يكون التركيب كإنسان زيد وقد حكموا بقبحه وفيه بحث لا يكاد يخفى حتى على بهيمة الأنعام ، وبعضهم إرادة ذلك على تقدير الأخبار بالجملة بعد قال : لأن نفي كون إنزال القرآن للشقاء يستدعي وقوع الشقاء مترتبا على إنزاله قطعا إما بحسب الحقيقة كما إذا أريد به التعب أو بحسب زعم الكفرة كما لو أريد به ضد السعادة ، ولا ريب في أن ذلك إنما يتصور في إنزال ما أنزل من قبل وأما إنزال السورة الكريمة فليس مما يمكن ترتب الشقاء السابق عليه حتى يتصدى لنفيه عنه أما باعتبار اتحاد القرآن بالسورة فظاهر ، وأما باعتبار الاندراج فلأن مآله أن يقال : هذه السورة ما أنزلنا القرآن المشتمل عليها لتشقى ، ولا يخفى أن جعلها مخبرا عنها مع أنه لا دخل لإنزالها في الشقاء السابق أصلا مما لا يليق بشأن التنزيل اه ولا يخلو عن حسن ، وعلى ما روي عن أبي جعفر من أنه من أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم يكون منادى وحكمه مشهور ، والجملة جواب النداء ، ومحله على ما أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن الحبر من أنه قسم أقسم اللّه تعالى به وهو من أسمائه تباركت أسماؤه النصب أو الجر على ما سمعت آنفا . وعلى ما روي عن الأمير كرم اللّه تعالى وجهه . والربيع يكون جملة فعلية وقد مر لك تفصيل ذلك ، والجملة
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 466 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية