واحتج ابن عباس بما ذكر على ابن الأزرق حين أنكر عليه تفسير الورود بالدخول وهو جار على تقدير عموم الخطاب أيضا فيدخلها المؤمن إلا أنها تضره على ما قيل ،
فقد أخرج أحمد ، والحكيم الترمذي ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، وجماعة عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن . وقال آخر : يدخلونها جميعا ثم ينجي اللّه تعالى الذين اتقوا ، فلقيت جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه فذكرت له فقال : وأهوى بإصبعه إلى أذنيه صمتا إن لم أكن سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم عليه السّلام حتى إن للنار ضجيجا من بردهم ثم ينجي اللّه تعالى الذين اتقوا »
، وقد ذكر الإمام الرازي لهذا الدخول عدة فوائد في تفسيره فليراجع .
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري والبيهقي عن الحسن الورود المرور عليها من غير دخول ، وروي ذلك أيضا عن قتادة وذلك بالمرور على الصراط الموضوع على متنها على ما رواه جماعة عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ، ويمر المؤمن ولا يشعر بها بناء على ما أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحكيم وغيرهم عن خالد بن معدان قال :
إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا : ربنا ألم تعدنا أن نرد النار قال : بلى ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة ، ولا ينافي هذا ما
أخرجه الترمذي والطبراني وغيرهما عن يعلى بن أمية عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي
لجواز أن لا يكون متذكرا هذا القول عند السؤال أو لم يكن سمعه لاشتغاله ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال في الآية : ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها ورود المشركين أن يدخلوها ، ولا بد على هذا من ارتكاب عموم المجاز عند من لا يرى جواز استعمال اللفظ في معنيين ، وعن مجاهد أن ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا لما صح من
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الحمى من فيح جهنم »
ولا يخفى خفاء الاستدلال به على المطلوب .
واستدل بعضهم على ذلك بما
أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة قال : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعود رجلا من أصحابه وعكا وأنا معه فقال عليه الصلاة والسّلام : « إن اللّه تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة وفيه خفاء أيضا »
؛ والحق أنه لا دلالة فيه على عدم ورود المؤمن المحموم في الدنيا النار في الآخرة ، وقصارى ما يدل عليه أنه يحفظ من ألم النار يوم القيامة ، وأخرج عبد ابن حميد عن عبيد بن عمير أن الورود الحضور والقرب كما في قوله تعالى
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[ القصص : 23 ] واختار بعضهم أن المراد حضورهم جاثين حواليها ، واستدل عليه بما ستعلمه إن شاء اللّه تعالى ، ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى :
أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 ] لأن المراد مبعدون عن عذابها ، وقيل : المراد إبعادهم عنها بعد أن يكونوا قريبا منها
كانَ
أي ورودهم إياها
عَلى رَبِّكَ حَتْماً
أمرا واجبا كما روي عن ابن عباس ، والمراد بمنزلة الواجب في تحتم للوقوع إذ لا يجب على اللّه تعالى شيء عند أهل السنة
مَقْضِيًّا
قضى بوقوعه البتة .
وأخرج الخطيب عن عكرمة أن معنى كان حتما مقضيا كان قسما واجبا ، وروي ذلك أيضا عن ابن مسعود والحسن وقتادة ، قيل : والمراد منه إنشاء القسم ، وقيل : قد يقال : إن
عَلى رَبِّكَ
المقصود منه اليمين كما تقول : للّه تعالى على كذا إذ لا معنى له إلا تأكد اللزوم والقسم لا يذكر إلا لمثله ، وعلى ورد في كلامهم كثيرا للقسم كقوله :
على إذا ما جئت ليلى أزورها * زيارة بيت اللّه رجلان حافيا
فإن صيغة النذر قد يراد بها اليمين كما صرحوا به ، ويجوز أن يكون المراد بهذه الجملة القسم كقولهم : عزمت عليك إلا فعلت كذا انتهى ، ويعلم مما ذكر المراد من القسم فيما
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن