تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
ذلك عن السدي ، وأكثر الآثار تدل على أن الآية نزلت بعد سؤالهم فالتعبير بصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لما أن في سؤالهم على ذلك الوجه مع مشاهدتهم من أمره صلّى اللّه عليه وسلّم ما شاهدوا نوع غرابة ، وقيل : للدلالة على استمرارهم على السؤال إلى ورود الجواب ، وبعض الآثار يدل على أن الآية نزلت قبل ، فعن عقبة بن عامر قال : إن نفرا من أهل الكتاب جاءوا بالصحف أو الكتب فقالوا لي : استأذن لنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لندخل عليه فانصرفت إليه عليه الصلاة والسّلام فأخبرته بمكانهم فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ما لي ولهم يسألونني عما لا أعلم إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي ثم قال : ائتني بوضوء أتوضأ به فأتيته فتوضأ ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين فانصرف حتى بدا السرور في وجهه ثم قال : اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي فأدخلتهم فلما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إن شئتم أخبرتكم بما سألتموني عنه وإن شئتم غير ذلك فافعلوا ، والجمهور على الأول ولم تثبت صحة هذا الخبر . واختلف في ذي القرنين فقيل : هو ملك أهبطه اللّه تعالى إلى الأرض وآتاه من كل شيء سببا وروي ذلك عن جبير بن نفير ، واستدل على ذلك بما أخرجه ابن عبد الحكم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه أنه سمع رجلا ينادي بمنى يا ذا القرنين فقال له عمر : ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء فما لكم وأسماء الملائكة ، وهذا قول غريب بل لا يكاد يصح ، والخبر على فرض صحته ليس نصا في ذلك إذ يحتمل ولو على بعد أن يكون المراد أن هذا الاسم من أسماء الملائكة عليهم السّلام فلا تسموا به أنتم وإن تسمى به بعض من قبلكم من الناس . وقيل : هو عبد صالح ملكه اللّه تعالى الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة ولا نعرف من هو وذكر في تسميته بذي القرنين وجوه : الأول أنه دعا إلى طاعة اللّه تعالى فضرب على قرنه الأيمن فمات ثم بعثه اللّه تعالى فدعا فضرب على قرنه الأيسر فمات ثم بعثه اللّه تعالى فسمي ذا القرنين وملك ما ملك وروي هذا عن علي كرم اللّه تعالى وجهه ، والثاني أنه انقرض في وقته قرنان من الناس ، الثالث أنه كانت صفحتا رأسه من نحاس وروي ذلك عن وهب بن منبه ، الرابع أنه كان في رأسه قرنان كالظلفين وهو أول من لبس العمامة ليسترهما وروي ذلك عن عبيد بن يعلى ، الخامس أنه كان لتاجه قرنان ، السادس أنه طاف قرني الدنيا أي شرقها وغربها وروي ذلك مرفوعا ، السابع أنه كان له غديرتان وروي ذلك عن قتادة ويونس بن عبيد ، الثامن أنه سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتمتد الظلمة من ورائه ، التاسع أنه دخل النور والظلمة ، العاشر أنه رأى في منامه كأنه صعد إلى الشمس وأخذ بقرنيها . الحادي عشر أنه يجوز أن يكون قد لقب بذلك لشجاعته كأنه ينطح أقرانه كما لقب أردشير بهمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد ، ولا يخفى أنه يبعد عدم معرفة رجل مكن له ما مكن في الأرض وبلغ من الشهرة ما بلغ في طولها والعرض ، وأما الوجوه المذكورة في وجه تسميته ففيها ما لا يكاد يصح ولعله غير خفي عليك وقيل : هو فريدون بن اثفيان بن جمشيد خامس ملوك الفرس الفيشدادية وكان ملكا عادلا مطيعا للّه تعالى . وفي كتاب صور الأقاليم لأبي زيد البلخي أنه كان مؤيدا بالوحي . وفي عامة التواريخ أنه ملك الأرض وقسمها بين بنيه الثلاثة ايرج وسلم وتور فأعطى ايرج العراق والهند والحجاز وجعله صاحب التاج ، وأعطى سلم الروم وديار مصر والمغرب ، وأعطى تور الصين والترك والمشرق ، ووضع لكل قانونا تحكم به وسميت القوانين الثلاثة سياسة فهي معربة سيايسا أي ثلاثة قوانين ، ووجه تسميته ذا القرنين أنه ملك طرفي الدنيا أو طول أيام سلطنته فإنها كانت على ما في روضة الصفا خمسمائة سنة أو عظم شجاعته وقهره الملوك . ورد بأنه قد أجمع أهل التاريخ على أنه لم يسافر لا شرقا ولا غربا وإنما دوخ له البلاد كاوه الأصفهاني الحداد الذي مزق اللّه تعالى على يده ملك الضحاك وبقي رئيس العساكر إلى أن مات ، ويلزم على هذا