تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
مطلقا ولا أظنك في مرية من أن الشيء قد يكون عيبا بين قوم ولا يكون عيبا بين آخرين ، وليس فيما نحن فيه أمر عقلي يحكم بكونه عيبا في كل وقت وفي كل مكان وبين كل قوم ، وإن التزمت أن فيه ذلك فقد حليت نفسك بحلية الجهل وخرجت من ربقة العقل ، هذا وقرأ أبان عن عاصم « من أسورة » بحذف ألف وزيادة هاء وهو أحد الجموع لسوار كما سمعت
وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً
لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس تنبسط بها أكثر من غيرها ، وروي في أثر أنها تزيد في ضوء البصر ، وقيل : ثلاثة مذهبة للحزن الماء والخضرة والوجه الحسن ، والظاهر أن لباسهم غير منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر أن الرجل يكسى في الساعة الواحدة سبعين ثوبا وأن أدناها مثل شقيق النعمان ، وقيل يحتمل الانحصار ولهم فيها ما تشتهي الأنفس لا يأباه لجواز أنهم لا يشتهون ولا تلذ أعينهم سوى ذلك من الألوان ، والتنكير لتعريف أنها لا يكاد يوصف حسنها . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال : لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم . وقرأ أبان عن عاصم وابن أبي حماد عن أبي بكر « ويلبسون » بكسر الباء
مِنْ سُنْدُسٍ
قال الجواليقي : هو رقيق الديباج بالفارسية فهو معرب ، وفي القاموس هو ضرب من البزيون أو ضرب من رقيق الديباج معرب بلا خلاف ، وقال الليث : لم يختلف أهل اللغة والمفسرون في أنه معرب ، وأنت تعلم أن فيه خلاف الشافعي عليه الرحمة ، والقول بأنه ليس من أهل اللغة والمفسرين في النفس منه شيء ، وقال شيد له : هو رقيق الديباج بالهندية ، وواحدة على ما نقل عن ثعلب سندسة . وزعم بعضهم : أن أصله سندي وكان هذا النوع من الديباج يجلب من السند فأبدلت الياء سينا كما فعل في سادي فقيل سادس ، وهو كلام لا يروج إلا على سندي أو هندي . ويحكى أن جماعة من أهل الهند من بلد يقال له بروج بالجيم الفارسية ، وكانوا يتكلمون بلغة تسمى سنسكريت جاءوا إلى الإسكندر الثاني بهدية من جملتها هذا الديباج ولم يكن رآه فقال : ما هذا ؟ فقالوا : سندون بالنون في آخره فغيرته الروم إلى سندوس ثم العرب إلى سندس فهو معرب قطعا من ذلك اللفظ الذي أطلقته أولئك الجماعة عليه ، لكن لا جرم في أنه اسم له في الأصل بلغتهم أو اسم للبلدة المجلوب هو منها أطلق عليه كما في أسماء كثير من الأمتعة اليوم واللّه تعالى أعلم بحقيقة الحال .
وَإِسْتَبْرَقٍ
أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة وعكرمة أنه غليظ الديباج ، وقال ابن بحر : هو ديباج منسوج بذهب وفي القاموس هو الديباج الغليظ أو ديباج يعمل بالذهب أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج أو قدة حمراء كأنها قطع الأوتار اه ، والذي عليه الأكثرون من المفسرين واللغويين الأول ، وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك معرب استبره وهي كلمة عجمية ومعناها الغليظ ، والمشهور أنه يقال للغليظ بالفارسية استبر بلا هاء ، وقال ابن قتيبة : هو رومي عرب وأصله استبره فأبدلوا الهاء قافا ، ووقع في شعر المرقش قال :
تراهن يلبسن المشاعر مرة * وإستبرق الديباج طورا لباسها
وقال ابن دريد : هو سرياني عرب وذكر من أصله ما ذكروا ، وقيل : أصله استفره بحرف بعد التاء بين الفاء والباء الموحدة ، وادعى بعضهم أن الإستبرق الديباج الغليظ الحسن في اللغة العربية والفارسية ففيه توافق اللغتين ، ونقل عن الأزهري أنه استصوب هذا ، ويجمع على أباريق ويصغر كما في القاموس وغيره على أبيرق ، وقرأ ابن محيصن « وإستبرق » بوصل الهمزة وفتح القاف حيث وقع جعله كما يقتضيه ظاهر كلام ابن خالويه فعلا ماضيا على وزن استفعل