من الخفاء وما يذكر في بيانه لا يروي الغليل ، والآية ظاهرة في أن مشيئة الذهاب به غير متحققة وأن فقدان المسترد إلا الرحمة إنما هو على فرض تحقق المشيئة لكن جاء في الأخبار أن القرآن يذهب به قبل يوم القيامة ،
فقد أخرج البيهقي والحاكم وصححه وابن ماجة بسند قوي عن حذيفة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك ويسري على كتاب اللّه تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا اللّه فنحن نقولها .
و
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا : خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا أيها الناس ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها مع كتاب اللّه تعالى يوشك أن يغضب اللّه تعالى لكتابه فيسري عليه ليلا لا يترك في قلب ولا ورق منه حرف إلا ذهب به فقيل : يا رسول اللّه فكيف بالمؤمنين والمؤمنات ؟ قال : من أراد اللّه تعالى به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا اللّه »
و
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : يسري على كتاب اللّه تعالى فيرفع إلى السماء فلا يبقى في الأرض آية من القرآن ولا من التوراة والإنجيل والزبور فينزع من قلوب الرجال فيصبحون في الضلالة لا يدرون ما هم فيه .
و
أخرج الديلمي عن ابن عمر مرفوعا لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول اللّه عزّ وجل : ما لك ؟ فيقول منك خرجت وإليك أعود أتلى ولا يعمل بي ؛ وأخرج محمد بن نصر نحوه موقوفا على عبد اللّه بن عمرو بن العاص
،
وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال : سيرفع القرآن من المصاحف والصدور ، ثم قرأ
وَلَئِنْ شِئْنا
الآية
، وفي البهجة أنه يرفع أولا من المصاحف ثم يرفع لأعجل زمن من الصدور والذاهب به هو جبريل عليه السلام كما
أخرجه ابن أبي حاتم من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده فيا لها من مصيبة ما أعظمها وبلية ما أوخمها
فإن دلت الآية على الذهاب به فلا منافاة بينها وبين هذه الأخبار وإذا دلت على إبقائه فالمنافاة ظاهرة إلا أن يقال : إن الإبقاء لا يستلزم الاستمرار ويكفي فيه إبقاؤه إلى قرب قيام الساعة فتدبر ، ومما يرشد إلى أن سوق الآية للامتنان قوله تعالى :
إِنَّ فَضْلَهُ كانَ
لم يزل ولا يزال
عَلَيْكَ كَبِيراً
ومنه إنزال القرآن واصطفاؤه على جميع الخلق وختم الأنبياء عليهم السلام به وإعطاؤه المقام المحمود إلى غير ذلك وقال أبو سهل : « 1 » إلى أنها سيقت لتهديد غيره صلّى اللّه عليه وسلّم بإذهاب ما أوتوا ليصدهم عن سؤال ما لم يؤتوا كعلم الروح وعلم الساعة .
وقال صاحب التحرير : يحتمل أن يقال : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما سئل عن الروح وذي القرنين وأهل الكهف وأبطأ عليه الوحي شق عليه ذلك وبلغ منه الغاية فأنزل اللّه تعالى هذه الآية تسكينا له صلّى اللّه عليه وسلّم والتقدير أيعز عليك تأخر الوحي فإنا إن شئنا ذهبنا بما أوحينا إليك جميعه فسكن ما كان يجده صلّى اللّه عليه وسلّم وطاب قلبه انتهى ، وكلا القولين كما ترى .
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ
أي اتفقوا
عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ
المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة الشأن من البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى ، وتخصيص الثقلين بالذكر لأن المنكر لكونه من عند اللّه تعالى منهما لا من غيرهما والتحدي إنما كان معهما وإن كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبعوثا إلى الملك كما هو مبعوث إليهما لا لأن غيرهما قادر على المعارضة فإن الملائكة عليهم السلام على فرض تصديهم لها وحاشاهم إذ هم معصومون لا يفعلون إلا ما يؤمرون عاجزون كغيرهم
لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ
أي هذا القرآن وأوثر الإظهار على إيراد الضمير الراجع إلى المثل المذكور احترازا عن أن يتوهم أن له مثلا معينا وإيذانا بأن المراد نفي الإتيان بمثل ما أي لا يأتون
هامش
( 1 ) قوله وقال أبو سهل إلى أنها كذا في نسخة المؤلف والأولى وذهب أبو سهل إلخ كما هو ظاهر اه .