تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
كان ، ومن زعم أنه كان هناك وسوستان فعليه البيان ولا يأتي به حتى يئوب القارظان أو يسجد لآدم عليه السلام الشيطان .
قالَ
اللّه سبحانه وتعالى :
اذْهَبْ
ليس المراد به حقيقة الأمر بالذهاب ضد المجيء بل المراد تخليته وما سولته نفسه إهانة له كما تقول لمن يخالفك : افعل ما تريد ، وقيل : يجوز أن يكون من الذهاب ضد المجيء فمعناه حينئذ كمعنى قوله تعالى :
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *
[ الحجر : 34 ، ص : 77 ] ، وقيل : هو طرد وتخلية ويلزم على ظاهره الجمع بين الحقيقة والمجاز والقائل ممن يرى جوازه ؛ ويدل على أنه ليس المراد منه ضد المجيء تعقيبه بالوعيد في قوله سبحانه :
فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
وضل عن الحق
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ
أي جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب رعاية لحق المتبوعية ، وجوز الزمخشري وتبعه غير واحد أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات من غيبة المظهر إلى الخطاب ، وتعقبه ابن هشام في تذكرته فقال : عندي أنه فاسد لخلو الجواب أو الخبر عن الرابط فإن ضمير الخطاب لا يكون رابطا وأجيب بأنه مؤول بتقدير فيقال لهم : إن جهنم جزاؤكم ، ورد بأنه يخرج حينئذ عن الالتفات ، وقال بعض المحققين : إن ضمير الخطاب إن سلم أنه لا يكون عائدا لا نسلم أنه إذا أريد به الغائب التفاتا لا يربط به لأنه ليس بأبعد من الربط بالاسم الظاهر فاحفظ .
جَزاءً مَوْفُوراً
أي مكملا لا يدخر منه شيء كما قال ابن جبير من فر كعد لصاحبك عرضه فرة أي كمل لصاحبك عرضه ، وعلى ذلك قوله :
ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
وجاء وفر لازما نحو وفر المال يفر وفورا أي كمل وكثر ، وانتصب
جَزاءً
على المصدر بإضمار تجزون أو تجازون فإنهما بمعنى وهذا المصدر لهما . وجوز أبو حيان وغيره كون العامل فيه
جَزاؤُكُمْ
بناء على أن المصدر ينصب المفعول المطلق ، وجوز كونه حالا موطئة لصفتها التي هي حال في الحقيقة ولذا جاءت جامدة كقوله تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا *
[ يوسف : ، طه : 113 ، الزمر : 28 ، فصلت : 3 ، الشورى : 7 ، الزخرف : 3 ] ولا حاجة لتقدير ذوي فيه حينئذ وصاحب الحال مفعول تجزونه محذوفا والعالم الفعل ، وقيل إنه حال من فاعله بتقدير ذوي جزاء ، وقال الطيبي : قيل المعنى ذوي جزاء ليكون حالا عن ضمير المخاطبين ويكون المصدر عاملا وإلا فالعامل مفقود ثم قال : الأظهر أنه حال مؤكدة لمضمون الجملة نحو زيد حاتم جوادا ، وفي الكشف أن هذا متعين وليس الأول بالوجه ، ومثله جعله حالا عن الفاعل ، وقيل هو تمييز ولا يقبل عند ذويه
وَاسْتَفْزِزْ
أي واستخف يقال استفزه إذا استخفه فخدعه وأوقعه فيما أراده منه ، وأصل معنى الفز القطع ومنه تفزز الثوب إذا انقطع ويقال للخفيف فز ولذا سمي به ولد البقرة الوحشية كما في قول زهير :
إذا استغاث بشيء فز غيطلة * خاف العيون فلم تنظر به الحشك
والواو على ما في البحر للعطف على اذهب ، والمراد من الأمر التهديد وكذا من الأوامر الآتية ، ويمنع من إرادة الحقيقة أن اللّه تعالى لا يأمر بالفحشاء
مَنِ اسْتَطَعْتَ
أي الذي استطعت أن تستفزه
مِنْهُمْ
فمن موصول مفعول
اسْتَفْزِزْ
ومفعول
اسْتَطَعْتَ
محذوف هو ما أشرنا إليه . واختار أبو البقاء كون من استفهامية في موضع نصب باستطعت وهو خلاف الظاهر جدا ولا داعي إلى ارتكابه
بِصَوْتِكَ
أي بدعائك إلى معصية اللّه تعالى ووسوستك ، وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيرا له حتى كأنه لا معنى له كصوت الحمار .
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 105 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية