تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
والجملة حال من الضمير في
لا يَسْتَكْبِرُونَ
وجوز أن تكون بيانا لنفي الاستكبار وتقريرا له لأن من خاف اللّه تعالى لم يستكبر عن عبادته ، واختاره ابن المنير وقال : إنه الوجه ليس إلا لئلا يتقيد الاستكبار وليدل على ثبوت هذه الصفة أيضا على الإطلاق ، ولا بد أن يقال على تقدير الحالية : إنها حال غير منتقلة وقد جاءت في الفصيح بل في أفصحه على الصحيح ، وفي اختيار عنوان الربوبية تربية للمهابة وإشعار بعلة الحكم .
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
أي ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات وإيراد الفعل مبنيا للمفعول جرى على سنن الجلالة وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه ، واستدل بالآية على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء ، أما دلالتها على التكليف فلمكان الأمر ، وأما على الخوف فهو أظهر من أن يخفى ، وأما على الرجاء فلاستلزام الخوف على ما قيل ، وقيل : إن اتصافهم بالرجاء لأن من خدم أكرم الأكرمين كان من الرجاء بمكان مكين ، وزعم بعضهم أن خوفهم ليس إلا خوف إجلال ومهابة لا خوف وعيد وعذاب ، ويرده ، قوله تعالى :
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 28 ، 29 ] ولا ينافي ذلك عصمتهم ، وقال الإمام : الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال ، وذكر أنه نقل عن ابن عباس واستدل له بقوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] وفي القلب منه شيء ، والحق أن الآية لا تصلح دليلا لكون الملائكة أفضل من البشر . واستدل بها فرقة على ذلك من أربعة أوجه ذكرها الإمام ولم يتعقبها بشيء لأنه ممن يقول بهذه الأفضلية ، وموضع تحقيق ذلك كتب الكلام . هذا ومن باب الإشارة في الآيات :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
وهو القيامة الكبرى التي يرتفع فيها حجب التعينات ويضمحل السوي ، ولما كان صلى اللّه عليه وسلم مشاهدا لذلك في عين الجمع قال
أَتى
ولما كان ظهورها على التفصيل بحيث تظهر للكل لا يكون إلا بعد حين قال :
فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
لأن هذا ليس وقت ظهوره ، ثم أكد شهوده لوجه اللّه تعالى وفناء الخلق في القيامة :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
بإثبات وجود الغير ، ثم فصل ما شاهد في عين الجمع لكونه في مقام الفرق بعد الجمع لا يحتجب بالوحدة عن الكثرة ولا بالعكس فقال :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ
وهو العلم الذي تحيا به القلوب
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وهم المخلصون له
أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
وقال بعضهم : أي خوفوا الخلق من الخواطر الرديئة الممزوجة بالنظر إلى غيري وخوفهم من عظيم جلالي ، وهذا وحي تبليغ وهو مخصوص بالمرسلين عليهم السلام ، وذكروا أن الوحي إذا لم يكن كذلك غير مخصوص بهم بل يكون للأولياء أيضا
الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا
[ فصلت : 30 ] وقد روي عن بعض أئمة أهل البيت أن الملائكة تزاحمهم في مجالسهم ، ثم إنه تعالى عدد الصفات وفصل النعم فقال :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
إلخ ، وفي قوله سبحانه :
وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ
إلخ إشارة كما نقل عن الجنيد قدس سره إلى أنه ينبغي لمن أراد البلوغ إلى مقصده أن يكون أول أمره وقصده الجهد والاجتهاد ليوصله بركة ذلك إلى مقصوده ، وذكروا أن المحمولين من العباد إلى المقاصد أصناف وكذا المحول عليه ، فمحمول بنور الفعل ، ومحمول بنور الصفة ، ومحمول بنور الذات ، فالمحمول بنور الفعل يكون بلده مقام الخوف والرجاء ومحلته صدق اليقين وداره مربع الشهود ، والمحمول بنور الصفة يكون بلده مقام المعرفة ومحلته صفو الخلة وداره دار المودة ، والمحول بنور الذات يكون بلده التوحيد ومحلته الفناء وداره البقاء ، وهذه الأصناف للسالك ، وأما المجذوب فمحول على مطية الفضل إلى بلد المشاهدة ، وفي قوله سبحانه :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
تحيير للإفهام وتعجيز أي تعجيز عن أن تدرك الملك العلام ؛ وقال بعضهم : إن فيها تعليما للوقوف عندما لا يدركه العقل من آثار الصنع
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 397 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية