فاحتمل أن يكون جمع ولد كأسد في أسد ويكون قد دعا عليه السلام لذريته ، وأن يكون لغة في الولد كما في قول الشاعر :
فليت زيادا كان في بطن أمه * وليت زيادا كان ولد حمار
ومثل ذلك العدم والعدم ، وقرأ ابن جبير « ولوالدي » بإسكان الياء على الإفراد كقوله : واغفر لأبي
وَلِلْمُؤْمِنِينَ
كافة من ذريته وغيرهم ، ومن هنا قال الشعبي فيما رواه عنه ابن أبي حاتم : ما يسرني بنصيبي من دعوة نوح وإبراهيم عليهما السلام للمؤمنين والمؤمنات حمر النعم ، وللإيذان باشتراك الكل في الدعاء بالمغفرة جيء بضمير الجماعة
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
أي يثبت ويتحقق ، واستعمال القيام فيما ذكر إما مجاز مرسل أو استعارة ، ومن ذلك قامت الحرب والسوق ، وجوز أن يكون قد شبه الحساب برجل قائم على الاستعارة المكنية وأثبت له القيام على التخييل ، وأن يكون المراد يقوم أهل الحساب فحذف المضاف أو أسند إلى الحساب ما لأهله مجازا ، وجعل ذلك العلامة الثاني في شرح التخليص مثل ضربه التأديب مما فيه الإسناد إلى السبب الغائي أي يقوم أهله لأجله ، وذكر السالكوتي أنه إنما قال مثله لأن الحساب ليس ما لأجله القيام حقيقة لكنه شبيه به في ترتبه عليه وفيه بحث .
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
خطاب لكل من توهم غفلته تعالى ، وقيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم كما هو المتبادر ، والمراد من النهي تثبيته عليه الصلاة والسلام على ما هم عليه من عدم ظن أن الغفلة تصدر منه عز شأنه كقوله تعالى :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ القصص : 88 ]
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *
[ القصص : 87 ] أي دم على ذلك ، وهو مجاز كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا
[ النساء : 136 ] وفيه إيذان بكون ذلك الحسبان واجب الاحتراز عنه في الغاية حتى نهى عنه من لا يمكن تعاطيه ، وجوز أن يكون المراد من ذلك على طريق الكناية أو المجاز بمرتبتين الوعيد والتهديد ، والمعنى لا تحسبن اللّه تعالى يترك عقابهم للطفه وكرمه بل هو معاقبهم على القليل والكثير ، وأن يكون ذلك استعارة تمثيلية أي لا تحسبنه تعالى يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ولكن معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير ، وإلى هذه الأوجه أشار الزمخشري . وتعقب الوجه الأول بأنه غير مناسب لمقام النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتوهم منه عدم الدوام على ما هو عليه من عدم الحسبان ليثبت ، وفيه نظر .
وفي الكشف الوجه هو الأول لأن في إطلاق الغافل عليه سبحانه وإن كان على المجاز ركة يصان كلام اللّه تعالى عنها ، وفي الكناية النظر إلى المجموع فلم يجسر العاقل عليه تعالى عنه ، ويجوز أن يكون الأول مجازا في المرتبة الثانية بجعل عدم الغفلة مجازا عن العلم ، ثم جعله مجازا عن الوعيد غير سديد لعدم منافاة إرادة الحقيقة .
والأسلم من القيل والقال ما ذكرناه أولا من كون الخطاب لكل من توهم غفلته سبحانه وتعالى لغير معين ، وهو الذي اختاره أبو حيان ، وعن ابن عيينة أن هذا تسلية للمظلوم « 1 » وتهديد للظالم فقيل له : من قال هذا ؟ فغضب وقال :
إنما قاله من علمه ، وقد نقل ذلك في الكشاف فاستظهر صاحب الكشف كونه تأييدا لكون الخطاب لغير معين ، وجوز أن يكون جاريا على الأوجه إذ على تقدير اختصاص الخطاب به عليه الصلاة والسلام أيضا لا يخلو عن التسلية للطائفتين فتأمل ، والمراد بالظالمين أهل مكة الذين عدت مساويهم فيما سبق أو جنس الظالمين وهم داخلون دخولا أوليا ، والآية على ما قال الطيبي مردودة إلى قوله تعالى :
قُلْ تَمَتَّعُوا
و
قُلْ لِعِبادِيَ
واختار جعلها تسلية له عليه الصلاة والسلام وتهديدا للظالمين على سبيل العموم .
هامش
( 1 ) وروي نحوه عن ميمون بن مهران اه منه .