لبدل الاشتمال وإن استحسنه الطيبي فكلا أو مبتدأ خبره الجملة الدعائية على التأويل أعني قوله سبحانه :
طُوبى لَهُمْ
أي يقال لهم ذلك ، أو لا حاجة إلى التأويل والجملة خبرية أو خبر مبتدأ مضمر أو نصب على المدح - فطوبى لهم - حال مقدرة والعامل فيها الفعلان .
وقال بعض المدققين : لعل الأشبه وجه آخر وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى :
مَنْ أَنابَ
ثم قيل :
الَّذِينَ آمَنُوا
و
تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ
في مقابلة
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ
وقوله سبحانه :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ
جملة اعتراضية تفيد كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره ، وقوله عزّ وجل :
الَّذِينَ آمَنُوا
بدل من الأول ، وفيه إشارة إلى أن ذكر اللّه تعالى أفضل الأعمال الصالحة بل هو كلها و
طُوبى لَهُمْ
خبر الأول فيتم التقابل بين القرينتين
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
و
الَّذِينَ آمَنُوا
و
تَطْمَئِنُّ
وبين جزئي التذييل :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ
ومن الناس من زعم أن الموصول الأول مبتدأ والموصول الثاني خبره و
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ
اعتراض و
طُوبى لَهُمْ
دعاء وهو كما ترى ، و
طُوبى
قيل مصدر من طاب كبشرى وزلفى والواو منقلبة من الياء كموسر وموقن . وقرأ مكوزة الأعرابي « طيبي » ليسلم الياء ، وقال أبو الحسن الهنائي : هي جمع طيبة كما قالوا في كيسة كوسى . وتعقبه أبو حيان بأن فعلى ليست من أبنية الجموع فلعله أراد أنه اسم جمع ، وعلى الأول فلهم في المعنى المراد عبارات . فأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن المعنى فرح وقرة عين لهم ، وعن الضحاك غبطة لهم ، وعن قتادة حسنى لهم . وفي رواية أخرى عنه أصابوا خيرا ، وعن النخعي خير كثير لهم . وفي رواية أخرى عنه كرامة لهم ، وعن سميط بن عجلان دوام الخير لهم ويرجع ذلك إلى معنى العيش الطيب لهم . وفي رواية عن ابن عباس . وابن جبير أن
طُوبى
اسم للجنة بالحبشية وقيل بالهندية ، وقال القرطبي : الصحيح أنها علم لشجرة في الجنة ،
فقد أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي في البعث والنشور ، وصححه السهيلي وغيره عن عتبة ابن عبد قال : « جاء أعرابي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه أفي الجنة فاكهة ؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى هي نطاق الفردوس قال : أي شجر أرضنا تشبه ؟ قال : ليس تشبه شيئا من شجر أرضك ولكن أتيت الشام ؟ قال : لا قال :
فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها قال : ما عظم أصلها ؟ قال : لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرما قال : فهل فيها عنب ؟ قال : نعم . قال : ما عظم العنقود منه ؟ قال : مسيرة شهر للغراب الأبقع »
والأخبار المصرحة بأنها شجرة في الجنة منتشرة جدا ، وحينئذ فلا كرم في جواز الابتداء بها وإن كانت نكرة فمسوغ الابتداء بها ما ذهب إليه سيبويه من أنه ذهب بها مذهب الدعاء كقولهم : سلام عليك الا أنه ذهب ابن مالك إلى أنه التزم فيها الرفع على الابتداء ، ورد عليه بأن عيسى الثقفي قرأ
وَحُسْنُ مَآبٍ
بالنصب ، وخرج ذلك ثعلب على أنه معطوف على طوبى وأنها في موضع نصب ، وهي عنده مصدر معمول لقد رأى طاب واللام للبيان كما في سقيا له ، ومنهم من قدر جعل
طُوبى لَهُمْ
وقال صاحب اللوامح : إن التقدير يا طوبى لهم ويا حسن مآب - فحسن - معطوف على المنادى وهو مضاف للضمير واللام مقحمة كما في قوله : يا بؤس للجهل ضرار الأقوام . ولذلك سقط التنوين من بؤس وكأنه قيل . يا طوباهم ويا حسن مآبهم أي ما أطيبهم وأحسن مآبهم كما تقول : يا طيبها ليلة أي ما أطيبها ليلة ولا يخفى ما فيه من التكلف . وأجاب السفاقسي عن ابن مالك بأنه يجوز نصب
حُسْنُ
بمقدر أي ورزقهم حسن مآب وهو بعيد .
وقرئ « حسن مآب » بفتح النون ورفع « مآب » وخرج ذلك على أن
حُسْنُ
فعل ماض أصله حسن نقلت ضمة السين إلى الحاء ومثله جائز في فعل إذا كان للمدح أو الذم كما قالوا : حسن ذا أدبا
كَذلِكَ
أي مثل ذلك