تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
وقال الإمام في شرح الإشارات : الصواعق على ما نقل عن الشيخ تشبه الحديد تارة والنحاس تارة والحجر تارة وهو ظاهر في أن مادتها ليست كذلك وإلا لما اختلفت ، ومن هنا قيل : إن مادتها الأبخرة والأدخنة الشبيهة بمواد هذه الأجسام ، وقيل : إنها نار تخرج من فم الملك الموكل بالسحاب إذا اشتد زجره . واخرج ابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني قال : إن بحورا من نار دون العرش يكون منها الصواعق ، وإذا صح ما روي عن الحبر لا يعدل عنه . و قد أخرج سعيد بن منصور . وابن المنذر عنه رضي اللّه تعالى عنه أنه قال « من صوت الرعد فقال سبحانه الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته » . و أخرج ابن أبي حاتم . وغيره عن أبي جعفر قال : « الصاعقة تصيب المؤمن والكافر ولا تصيب ذاكرا » وفي خبر مرفوع ما يؤيده ، وقد أهلكت أربد كما علمت ، وقد أشار إلى ذلك أخوه لأمه لبيد العامري بقوله يرثيه :
أخشى على أربد ، الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والأسد
فجعني البرق والصواعق بال * فارس يوم الكريهة النجد
وفي تلك القصة على ما قال ابن جريج وغيره نزلت الآية . وعن مجاهد أن يهوديا ناظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبينا هو كذلك نزلت صاعقة فأخذت قحف رأسه فنزلت ، وقيل : إنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى جبار من العرب ليسلم فقال : أخبروني عن إله محمد أمن لؤلؤ هو أم من ذهب أم من نحاس ؟ فنزلت عليه صاعقة فأهلكته فنزلت . و
مِنْ
مفعول
فَيُصِيبُ
والكلام على ما في البحر من باب الأعمال وقد أعمل فيه الثاني إذ كل من
يُرْسِلُ
و
فَيُصِيبُ
يطلب
مِنْ
ولو أعمل الأول لكان التركيب ويرسل الصواعق فيصيب بها على من يشاء ، لكن جاء على الكثير في لسان العرب المختار عند البصريين وهو أعمال الثاني ، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده تعالى وما دل على قدرته الباهرة ووحدانيته قال جل شأنه :
وَهُمْ
أي الذين كفروا وكذبوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأنكروا آياته
يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ
حيث يكذبون ما يصفه الصادق به من كمال العلم والقدرة والتفرد بالألوهية وإعادة الناس ومجازاتهم ، فالمراد بالمجادلة فيه تعالى المجادلة في شأنه سبحانه وما أخبر به عنه جل شأنه ، وهي من الجدل بفتحتين أشد الخصومة ، وأصله من الجدل بالسكون وهو فتل الحبل ونحوه لأنه يقوي به ويشد طاقاته . وقال الراغب : أصل ذلك من جدلت الحبل أي أحكمت فتله كأن المتجادلين يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه ، وقيل : الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصلبة ، وإلى تفسير الآية بما ذكر ذهب الزمخشري ، قال في الكشف : وفي كلامه إشارة إلى أن في الكلام التفاتا لأن قوله تعالى :
سَواءٌ مِنْكُمْ
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ
فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب وإن شئت فتأمل من قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
إلى قوله سبحانه :
الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ
. ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة وحسن موقعهما ، أما الأول فما فيه من تخصيص الوعيد المدمج في
سَواءٌ مِنْكُمْ
ولهذا ذيل بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ
إلى
مِنْ والٍ
وفيه من التهديد ما لا يخفى على ذي بصيرة ، والحث على طلب النجاة وزيادة التقريع في قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ
وفي مجيء
سَواءٌ مِنْكُمْ
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ
بعد قوله تعالى :
اللَّهُ يَعْلَمُ
هكذا من دون حرف النسق لأن الأول مقرر لقوله سبحانه :
اللَّهُ يَعْلَمُ
من زيادة الادماج المذكور تحقيقا للعلم والثاني مقرر لما ضمن من الدلالة على القدرة في قوله تعالى :
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
مع رعاية نمط التعديد على أسلوب
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[ الرحمن : 1 ، 2 ] ما يبهر الألباب ويظهر للمتأمل في وجه الاعجاز التنزيلي العجب العجاب ، وأما الثاني فما فيه من