تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
وبحث فيه الشهاب ولم يرتض احتمال التخصيص لما أنه لا دليل عليه ويفهم صنيعه ارتضاء كلام الرضي ، ثم قال : ومراده بالتقييد أنه ذكر شيئان متعاطفان ، فالظاهر أن المراد الجمع بينهما لا أن الجملة حالية فلا يرد عليه أن الحمل على التقييد مع كون الواو للنسق ممنوع ، وكذا جعلها للحال مع لا الناهية ، وأيضا القراءة بإسقاطها تدل على عدم اعتبار ذلك التقييد ولا يخلو عن شيء ، هذا وقد ألفت في تحقيق هذا الاستثناء عدة رسائل : منها رسالة للحمصي وأخرى للعلامة الكافيجي ألفها لبعض سلاطين آل عثمان غمرهم اللّه سبحانه بصنوف الفضل والإحسان حين طلب منه لبحث وقع في مجلسه ذلك ، وبالجملة القول بالانقطاع أقل تكلفا فيما يظهر ، والقول بأنه حينئذ لا يبقى ارتباط لقوله سبحانه :
إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ
ناشئ من عدم الالتفات فلا ينبغي أن يلتفت إليه كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما تقدم نقله فتأمل ، وضمير
إِنَّهُ
للشأن ، و
ما أَصابَهُمْ
مبتدأ ، و
مُصِيبُها
خبره ، والجملة خبر - إن - الذي اسمه ضمير الشأن ، وفي البحر إن
مُصِيبُها
مبتدأ ، و
ما أَصابَهُمْ
خبره ، والجملة خبر إن ، ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون
مُصِيبُها
خبر - إن - و
ما
فاعل به لأنهم يجوزون أنه قائم أخواك ، ومذهب البصريين أن ضمير الشأن لا يكون خبره إلا جملة مصرحا بجزأيها فلا يجوز هذا الأعراب عندهم ، والأولى ما ذكر أولا ، والجملة إما تعليل على طريقة الاستئناف أو خبر - لامرأتك - على قراءة الرفع ، والمراد من
ما
العذاب ، ومن
أَصابَهُمْ
يصيبهم والتعبيرية دونه للإيذان بتحقق الوقوع ، وفي الإبهام . واسمية الجملة . والتأكيد ما لا يخفى .
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ
أي موعد عذابهم وهلاكهم ذلك ، وكأن هذا على ما قيل : تعليل للأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع ، وقوله سبحانه :
أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
تأكيد للتعليل ، فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع للتباعد عن مواقع العذاب ، وروي أنه عليه السلام سأل الملائكة عليهم السلام عن وقت هلاكهم فقالوا : موعدهم الصبح ، فقال : أريد أسرع من ذلك ، فقالوا له :
أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
. ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين . وقرأ عيسى بن عمر
الصُّبْحُ
بضم الباء قيل : وهي لغة فلا يكون ذلك اتباعا
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
أي عذابنا أو الأمر به ، فالأمر على الأول واحد الأمور ، وعلى الثاني واحد الأوامر ، قيل : ونسبة المجيء إليه بالمعنيين مجازية ، والمراد لما حان وقوعه ولا حاجة إلى تقدير الوقت مع دلالة لما عليه . وقيل : إنه يقدر على الثاني أي جاء وقت أمرنا لأن الأمر نفسه ورد قبله ، ونحن في غنى عن ادعاء تكراره ، ورجح تفسير الأمر بما هو واحد الأوامر - أعني ضد النهي - بأنه الأصل فيه لأنه مصدر أمره ، وأما كونه بمعنى العذاب فيخرجه عن المصدرية الأصلية وعن معناه المشهور الشائع ، ويجعل التعذيب مسببا عنه بقوله سبحانه :
جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
فإنه جواب لما والتعذيب نفس إيقاع العذاب فلا يحسن جعله مسببا عن ذلك بل العكس أولى إلا أن يؤول المجيء بإرادته ، وضمير
عالِيَها
و
سافِلَها
لمدائن قوم لوط المعلومة من السياق وهي المؤتفكات ، وهي خمس مدائن : ميعة وصغره وعصره ودوما وسدوم . وقيل : سبع أعظمها سدوم ، وهي القرية التي كان فيها لوط عليه السلام ، وكان فيها على ما روي عن قتادة أربعة آلاف ألف إنسان أو ما شاء اللّه تعالى من ذلك ، وقيل : إن هذا العدد إنما كان في المدائن كلها ، وقيل : إن ما كان في المدائن أكثر من ذلك بكثير ، واللّه تعالى أعلم . ونصب
عالِيَها
- و -
سافِلَها
على أنهما مفعولان للجعل ، والمراد قلبناها على تلك الهيئة وهو جعل