تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
فاعلم أن
لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
في تقدير موحدين إياه بالعبادة عند سيبويه على أنه حال من الفاعل ، والحاء في موحدين مكسورة وعلى رأي ابن طلحة موحدا هو والحاء مفتوحة وهو من أوحد الرباعي والتقدير على رأي هشام نعبد الله تعالى على انفراد وهو من وحد الثلاثي ، والمعنى في التقادير الثلاثة لا يختلف إلا يسيرا ، والكلام الذي هو فيه متضمن للإيجاب والسلب وله احتمالات نفيا وإثباتا وتفصيل ذلك في رسالة في مولانا تقي الدين السبكي المسماة بالرفدة في معنى وحده وفيها يقول الصفدي :
خل عنك الرقدة وانتبه للرفدة * تجن منها علما فاق طعم الشهدة
وأراد - بما - في قوله تعالى :
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
العذاب المدلول عليه بقوله تعالى :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
بالإخبار بنزوله ، وقيل : بالإخبار بأنك رسول الله تعالى إلينا ، وجواب « إن » محذوف لدلالة المذكور عليه أي فأت به
قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ
أي وجب وثبت . وأصل استعمال الوقوع في نزول الأجسام واستعماله هنا فيما ذكر مجاز من إطلاق السبب على المسبب . ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تبعية والمعنى قد نزل عليكم ، واختار بعضهم أن
وَقَعَ
بمعنى قضي وقدر لأن المقدرات تضاف إلى السماء وحرف الاستعلاء على ذلك ظاهر ، وفي الكشف أن الوقوع بمعنى الثبوت وحرف الاستعلاء إما لأنه ثبوت قوي آكد ما يكون « 1 » واجبه أو لأنه ثبوت حسي لأمر نازل من علو وعذاب الله تعالى . موصوف بالنزول من السماء فتدبر . والتعبير بالماضي لتنزيل المتوقع منزلة الواقع كما في قوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ]
مِنْ رَبِّكُمْ
أي من قبل مالك أمركم سبحانه وتعالى . والجار والمجرور قيل : متعلق بمحذوف وقع حالا مما بعد ، والظاهر أنه متعلق بالفعل قبله ، وتقديم الظرف الأول عليه مع أن المبدأ متقدم على المنتهى - كما قال شيخ الإسلام - للمسارعة إلى بيان إصابة المكروه لهم ، وكذا تقديمهما على الفاعل وهو قوله تعالى :
رِجْسٌ
مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما عطف عليه من قوله تعالى :
وَغَضَبٌ
فربما يخل تقديمهما بتجاوب النظم الكريم ، والرجس العذاب وهو بهذا المعنى في كل القرآن عند ابن زيد من الارتجاس وهو الارتجاز بمعنى حتى قيل : إن أصله ذلك فأبدلت الزاي سينا كما أبدلت السين تاء في قوله :
ألا لحى الله بني السعلات * عمرو بن يربوع شرار النات
ليسوا بأعفاف ولا أكيات
فإنه أراد الناس وأكياس . وأصل معناه الاضطراب ثم شاع فيما ذكر لاضطراب من حل به ، وعليه فالعطف في قوله :
إذا سنة كانت بنجد محيطة * وكان عليهم رجسها وعذابها
للتفسير والغضب عند كثير بمعنى إرادة الانتقام . وعن ابن عباس أنه فسر الرجس باللعنة والغضب بالعذاب وأنشد له البيت السابق وفيه خفاء . والذاهبون إلى ما تقدم إنما لم يفسروه بالعذاب لئلا يتكرر مع ما قبله ، ولا يبعد أن يفسر « الرجس » بالعذاب والغضب باللعن والطرد على عكس ما نسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويكون في الكلام حينئذ إشارة إلى حالهم في الأولى والأخرى . ويمكن إرجاع ما ذكره الكثير من المفسرين إلى هذا وإلا فالظاهر أنه لا لطافة في قولك : وقع عليهم عذاب وإرادة انتقام على ظاهر كلامهم . وأيا ما كان فالتنوين للتفخيم والتهويل
هامش
( 1 ) قوله واجبة كذا بخط المؤلف وتأمل .
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 396 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية