وقيل : من الإفراط في العداوة
وَكَثِيرٌ
مبتدأ ، و
مِنْهُمْ
صفته ، و
ساءَ
كبئس للذم .
وعن بعض النحاة أن فيها معنى التعجب - كقضو زيد - أي ما أقضاه ، فالمعنى هنا ما أسوأ عملهم ، وبعضهم يقول : هي لمجرد الذم والتعجب مأخوذ من المقام ، وتمييزها محذوف ، و
ما
موصولة فاعل لها أي ساء عملا الذي يعملونه ، ويجوز أن تكون
ما
نكرة في موضع التمييز ، والجملة الإنشائية خبر للمبتدأ ، والكلام في ذلك شهير .
هذا « ومن باب الإشارة في الآيات » :
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ
أي صلاة الشهود والحضور الذاتي
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
أي زكاة وجودهم
وَهُمْ راكِعُونَ
أي خاضعون في البقاء باللّه .
والآية عند معظم المحدثين نزلت في عليّ كرم اللّه تعالى وجهه ، والإمامية - كما علمت - يستدلون بها على خلافته بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلا فصل ، وقد علمت منا ردهم - والحمد للّه سبحانه - رد كلام وكثير من الصوفية قدس اللّه تعالى أسرارهم يشير إلى القول بخلافته كرم اللّه تعالى وجهه بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بلا فصل أيضا إلا أن تلك الخلافة عندهم هي الخلافة الباطنة التي هي خلافة الإرشاد والتربية والإمداد والتصرف الروحاني لا الخلافة الصورية التي هي عبارة عن إقامة الحدود الظاهرة وتجهيز الجيوش والذب عن بيضة الإسلام ومحاربة أعدائه بالسيف والسنان ، فإن تلك عندهم على الترتيب الذي وقع كما هو مذهب أهل السنة ، والفرق عندهم بين الخلافتين كالفرق بين القشر واللب ، فالخلافة الباطنة لب الخلافة الظاهرة ، وبها يذب عن حقيقة الإسلام ، وبالظاهرة يذب عن صورته ، وهي مرتبة القطب في كل عصر ، وقد تجتمع مع الخلافة الظاهرة كما اجتمعت في علي كرم اللّه تعالى وجهه أيام إمارته ، وكما تجتمع في المهدي أيام ظهوره ، وهي والنبوة رضيعا ثدي ، وإلى ذلك الإشارة بما
يروونه عنه عليه الصلاة والسلام من قوله : « خلقت أنا وعلي من نور واحد »
وكانت هذه الخلافة فيه كرم اللّه تعالى وجهه على الوجه الأتم .
ومن هنا كانت سلاسل أهل اللّه عزّ وجل منتهية إليه إلا ما هو أعز من بيض الأنوق ، فإنه ينتهي إلى الصديق رضي اللّه تعالى عنه كسلسلة ساداتنا النقشبندية نفعنا اللّه تعالى بعلومهم ، ومع هذا ترد عليه كرم اللّه تعالى وجهه أيضا ، وبتقسيم الخلافة إلى هذين القسمين جمع بعض العارفين بين الأحاديث المشعرة أو المصرحة بخلافة الأئمة الثلاثة رضي اللّه تعالى عنهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الترتيب المعلوم ، وبين الأحاديث المشعرة أو المصرحة بخلافة الأمير كرم اللّه تعالى وجهه بعده عليه الصلاة والسلام بلا فصل ، فحمل الأحاديث الواردة في خلافة الخلفاء الثلاثة على الخلافة الظاهرة ، والأحاديث الواردة في خلافة الأمير كرم اللّه تعالى وجهه على الخلافة الباطنة ولم يعطل شيئا من الأخبار ، وقال بحقيقة خلافة الأربعة رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين .
وأنت تعلم أن هذا مشعر بأفضلية الأمير كرم اللّه تعالى وجهه على الخلفاء الثلاثة ، وبعضهم يصرح بذلك ، ويقول : بجواز خلافة المفضول خلافة صورية مع وجود الفاضل لكن قد قدمنا عن الشيخ الأكبر قدس اللّه تعالى سره أنه قال : ليس بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه رجل ، وليس مقصوده سوى بيان المرتبة في الفضل فافهم
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
فإنه من حزب اللّه تعالى أي أهل خاصته القائمين معه على شرائط الاستقامة
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
على أعدائهم الأنفسية والآفاقية ،
وقد صح « لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللّه سبحانه لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر اللّه تعالى وهم على ذلك »
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ
أي حالكم الذي أنتم عليه في السير والسلوك
هُزُواً وَلَعِباً
فطعنوا فيه
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
وهم المقتصرون على الظاهر فقط - كاليهود - أو على الباطن فقط - كالنصارى -
وَالْكُفَّارَ