في قرب المنزلة ، وهذا كما يقول أتباع الملك : نحن الملوك ، وكما أطلق على أشياع أبي خبيب عبد اللّه بن الزبير الخبيبون في قوله :
قدني من نصر الخبيبين قدني على رواية من رواه بالجمع ، فقد قال ابن السكيت : يريد أبا خبيب ومن كان معه ، فحيث جاز جمع خبيب وأشياع أبيه فأولى أن يجوز جمع ابن اللّه عز اسمه وأشياع الابن بزعم الفريقين ، فاندفع ما قيل : إنهم لا يقولون ببنوة أنفسهم ولم يحمل على التوزيع بمعنى أنفسنا الأحباء وأبناؤنا الأبناء بجمع الابنين لمشاكلة الأحباء لأن خطاب
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ
يأباه ظاهرا ويدل على ادعائهم البنوة بأي معنى كان :
وقيل : الكلام على حذف المضاف أي نحن أبناء أنبياء اللّه تعالى وهو خلاف الظاهر ، وقائل ذلك من اليهود بعضهم ونسب إلى الجميع لما مر غير مرة ،
فقد أخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : « أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نعمان بن آصى وبحرى بن عمرو وشاش بن عدي فكلموه وكلمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ودعاهم إلى اللّه تعالى وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد نحن واللّه أبناء اللّه وأحباؤه ، وقالت النصارى ذلك قبلهم فأنزل اللّه تعالى فيهم هذه الآية .
وعن الحسن أن النصارى تأولوا ما في الإنجيل من قول المسيح : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم فقالوا ما قالوا .
وعندي أن إطلاق ابن اللّه تعالى على المطيع قد كان في الزمن القديم ،
ففي التوراة قال اللّه تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام : اذهب إلى فرعون وقل له يقول لك الرب إسرائيل ابني بكري أرسله يعبدني فإن أبيت أن ترسل ابني بكري قتلت ابنك بكرك ، وفيها أيضا في قصة الطوفان أنه لما نظر بنو اللّه تعالى إلى بنات الناس وهم حسان جدا شغفوا بهن فنكحوا منهن ما أحبوا واختاروا فولدوا جبابرة فأفسدوا فقال اللّه تعالى : لا تحل عنايتي على هؤلاء القوم ،
وأريد بأبناء اللّه تعالى أولاد هابيل ، وبأبناء الناس أبناء قابيل ، وكنّ حسانا جدا فصرفن قلوبهن عن عباده اللّه تعالى إلى عبادة الأوثان ، وفي المزامير أنت ابني سلني أعطك ، وفيها أيضا أنت ابني وحبيبي ، وقال شعيا في نبوته عن اللّه تعالى :
تواصوا بي في أبنائي وبناتي يريد ذكور عباد اللّه تعالى الصالحين وإناثهم ، وقال يوحنا الإنجيلي في الفصل الثاني من الرسالة الأولى - انظروا إلى محبة الأب لنا أن أعطانا أن ندعي أبناء - وفي الفصل الثالث - أيها الأحباء الآن صرنا أبناء اللّه تعالى فينبغي لنا أن ننزله في الإجلال على ما هو عليه فمن صح له هذا الرجاء فليزك نفسه بترك لخطيئة والإثم ، واعلموا أن من لابس الخطيئة فإنه لم يعرفه - وقال المسيح : أحبوا أعدائكم ، وباركوا على لاعنيكم ، وأحسنوا إلى من يبغضكم ، وصلوا على من طردكم ، كيما تكونوا بني أبيكم المشرق شمسه على الأخيار والأشرار ، والممطر على الصديقين والظالمين ، وقال يوحنا التلميذ في قصص الحواريين : يا أحبائي إنا أبناء اللّه تعالى سمانا بذلك ، وقال بولس الرسول في رسالته إلى ملك الروم : إن الروح تشهد لأرواحنا أننا أبناء اللّه تعالى وأحباؤه ، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ، وقد جاء أيضا إطلاق الابن على العاصي ولكن بمعنى الأثر ونحوه ، ففي الرسالة الخامسة لبولس إياكم والسفه والسب واللعب فإن الزاني والنجس كعابد الوثن لا نصيب له في ملكوت اللّه تعالى واحذروا هذه الشرور فمن أجلها يأتي رجز اللّه على الأبناء الذين لا يطيعونه ، وإياكم أن تكونوا شركاء لهم فقد كنتم قبل في ظلمة فاسعوا الآن سعي أبناء النور ، ومقصود الفريقين ب
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
هو المعنى المتضمن مدحا ، وحاصل دعواهم أن لهم فضلا ومزية عند اللّه تعالى على سائر الخلق ، فرد سبحانه عليهم ذلك ، وقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ
إلزاما لهم وتبكيتا
فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
أي إن صح ما زعمتم فلأي شيء يعذبكم يوم القيامة بالنار أياما بعدد أيام عبادتكم العجل ،