تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
عليه السلام وكان فرسخا في فرسخ وحملها ليطبقها عليهم فبعث اللّه تعالى الهدهد فقور الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله . وكانت أمه عنق إحدى بنات آدم عليه السلام ، وكان مجلسها جريبا من الأرض ، فلما لقوا عوجا وعلى رأسه حزمة حطب أخذهم جميعا وجعلهم في حزمته ، وانطلق بهم إلى امرأته وقال : انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها ، وقال : ألا أطحنهم برجلي ؟ فقالت امرأته : لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل انتهى . وأقول : قد شاع أمر عوج عند العامة ونقلوا فيه حكايات شنيعة ، وفي فتاوى العلامة ابن حجر قال الحافظ العماد ابن كثير : قصة عوج وجميع ما يحكون عنه هذيان لا أصل له ، وهو من مختلقات أهل الكتاب ، ولم يكن قط على عهد نوح عليه السلام ولم يسلم من الكفار أحد ، وقال ابن القيم : من الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعا أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه - كحديث عوج الطويل - وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث وكذب على اللّه تعالى إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ، ولا يبين أمره ، ثم قال : ولا ريب في أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم انتهى . وأورد ابن المنذر عن ابن عمر من قصته شيئا عجيبا ، وتعقبه بعض المصنفين بأن هذا مما يستحي الشخص من نسبته إلى ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما ، ومشى صاحب القاموس على أن أخباره موضوعة ، وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن حبان في كتاب العظمة فيه آثارا قال الحفاظ في أطولها المشتمل على غرائب من أحواله : إنه باطل كذب ، وقال الحافظ السيوطي : والأقرب في خبر عوج أنه من بقية عاد ، وأنه كان له طول في الجملة مائة ذراع ، أو شبه ذلك وأن موسى عليه الصلاة والسلام ، وهذا هو القدر الذي يحتمل قبوله انتهى ، ونعم ما قال ، فإن بقاءه في الطوفان مع كفره الظاهر إذ لم ينقل إيمانه ، ودعوة نوح عليه السلام التي عمت الأرض مما لا يكاد يقبله المنصف ، وكذا بقاؤه بعد الطوفان مع قوله تعالى :
وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
[ الصافات : 77 ] مما لا يسوغه العارف ، وشبه الحوت بعين الشمس ، مما لا يكاد يعقل - على ما ذكره الحكماء - فقد ذكر الخلخالي أنهم ذهبوا إلى أن الشمس ليست حارة وإلا لكان قلل الجبال أحر من الوهاد لقرب القلل إلى الشمس - وبعد الوهاد عنها - بل الحرارة تحدث من وصول شعاع الشمس إلى وجه الأرض وانعكاسه عنه ولذلك يرى الوهاد أحر لتراكم الأشعة المنعكسة فيها فما وصل إليه الشعاع من وجه الأرض يصير حارا وإلا فلا ، وذكر نحو ذلك شارح حكمة العين ، ولا يرد على هذا أن بعض الناس روى أن كذا ملائكة ترمي الشمس بالثلج إذا طلعت ، ولولا ذلك لأحرقت أهل الأرض لأن ذلك مما لم يثبت عند الحفاظ ، وهو إلى الوضع أقرب منه إلى الصحة ، ثم كان القائل بوجود عوج هذا من الناس لا يقول بالطبقة الزمهريرية التي هي الطبقة الثالثة من طبقات العناصر السبع ، ولا بما فوقها وإلا فكيف يكون الاحتجاز بالسحاب وهو كالرعد والبرق ، والصاعقة إنما ينشأ من تلك الطبقة الباردة التي لا يصل إليها أثر شعاع الشمس بالانعكاس من وجه الأرض ، وقد ذكروا أيضا أن فوقها طبقتين : الأولى ما يمتزج مع النار وهي التي يتلاشى فيها الأدخنة المرتفعة عن السفل ، ويتكون فيها الكواكب ذوات الأذناب والنيازك ، والثانية ما يقرب من الخلوص إذ لا يصل إليه حرارة ما فوقه ولا برودة ما تحته من الأرض والماء ، وهي التي يحدث فيها الشهب ، فإذا احتجز هذا الرجل بالسحاب وصل رأسه على زعمهم إلى إحدى تينك الطبقتين . فكيف يكون حاله مع ذلك البرد والحر ؟ ! ولا أظن بشرا - كيف كان - يقوى على ذلك ، على أن أصل الاحتجاز مما لا يمكن بناء على كلام الحكماء إذ قد علمت أن منشأ السحب الطبقة الزمهريرية .