تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
هل كان محتاجا لشرب لبانها * أو أن يربى في مواطن حجرها
جعلوه ربا جوهرا من جوهر * ذهبوا لما لا يرتضيه أولو النهى
قالوا : وجاء من السماء عناية * لخلاص آدم من لظاه وحرها
قد تاب آدم توبة مقبولة * فضلا لهم جعل الفداء بغيرها
لو جاء في ظلل الغمام وحوله * شرفا ملائكة السماء بأسرها
وفدى الذي بيديه أحكم طينه * بالعفو عن كل الأمور وسترها
ثم اجتباه محببا ومفضلا * ووقاه من غيّ النفوس وشرها
كنتم تحلون الإله مقامه * فيما تراه نفوسكم من شركها
من غير أن يحتاج في تلخيصه * كل الخلائق أن تبوء بضرها
ويشينه الأعداء بما لا يرتضي * من كيدها وبما دهى من مكرها
هذي أمانتهم وهذا شرحها * اللّه أكبر من معاني كفرها
ثم اعلم أنه لا حجة للنصارى القائلين بالتثليث بما روي عن متى التلميذ أنه قال : إن المسيح عندما ودعهم قال : اذهبوا وعمدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس ، ومن هنا جعلوا مفتتح الإنجيل ذلك كما أن مفتتح القرآن بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ويوهم كلام بعض منا أن هذه التسمية نزلت من السماء كالبسملة عندنا لأنا نقول - على تقدير صحة الرواية ، ودونها خرط القتاد : يحتمل أن يراد بالأب المبدأ ، فإن القدماء كانوا يسمون المبادئ بالآباء ، ومن الابن الرسول ، وسمي بذلك تشريفا وإكراما كما سمي إبراهيم عليه السلام خليلا ، أو باعتبار أنهم يسمون الآثار أبناء ، وقد رووا عن المسيح عليه السلام أنه قال : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، وقال : لا تعطوا صدقاتكم قدّام الناس لتراءوهم فإنه لا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السماء . وربما يقال : إن الابن بمعنى الحبيب أو نحوه ، ويشير إلى ذلك ما رووه أنه عليه السلام قال عقيب وصية وصى بها الحواريين : لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء وتكونوا تامّين كما أن أباكم الذي في السماء تام ، ويراد بروح القدس جبريل عليه السلام ، والمعنى عمدوا ببركة اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والملك المؤيد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تبليغ أوامر ربهم ، وفي كشف الغين عن الفرق بين البسملتين للشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره أن بسملة النصارى مشيرة إلى ثلاث حضرات للأمر الإلهي الواحد الأحد : الغيب المطلق ، فالأب إشارة إلى الروح الذي هو أول مخلوق للّه تعالى كما في الخبر وهو المسمى بالعقل والقلم والحقيقة المحمدية ، ويضاف إلى اللّه تعالى فيقال : روح اللّه تعالى للتشريف والتعظيم ك ( ناقة اللّه ) تعالى ، وروح القدس إشارة إليه أيضا باعتبار ظهوره بصورة البشر السوي النافخ في درع مريم عليها السلام ، والابن إشارة إلى عيسى عليه السلام وهو ابن لذلك الروح باعتبار أن تكوّنه بسبب نفخه ، والأب هو الابن ، والابن هو روح القدس في الحقيقة والغيب المطلق منزه مقدس عن هذه الثلاثة ، فإنه سبحانه من حيث هو لا شيء معه ولا يمكن أن يكون معه شيء ، فبسملة الإنجيل من مقام الصفات الإلهية والأسماء الربانية لا من مقام الذات الأقدسية . ثم لا يتوهمن أن كلمات ساداتنا الصوفية قدس اللّه تعالى أسرارهم تدندن حول كلمات النصارى كما يزعمه من لا اطلاع له على تحقيق كلامهم ولا ذوق له في مشربهم ، وذلك لأن القوم نفعنا اللّه تعالى بهم مبرءون عما نسبه