تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد ، فإن صح هذا كانت وكادة الميثاق في غاية الظهور ، وزعم بعضهم أن هذا الميثاق هو الميثاق الذي أخذه اللّه تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتصديق بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والإيمان به ، وهو المذكور في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ
[ آل عمران : 81 ] الآية ، وكونه
غَلِيظاً
باعتبار أخذه من كل نبي نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأخذ كل واحد واحد له من أمته فهو ميثاق مؤكد متكرر ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه السياق
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
في الكلام مقدر والجار والمجرور متعلق بمقدر أيضا ، والباء للسببية وما مزيد لتوكيدها ، والإشارة إلى أنها سببية قوية ، وقد يفيد ذلك الحصر بمعونة المقام كما يفيده التقديم على العامل إن التزم هنا ، وجوز أن تكون - ما - نكرة تامة ، ويكون
نَقْضِهِمْ
بدلا منهما أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم ، وإن شئت أخرت العامل . واختار أبو حيان عليه الرحمة تقدير لعناهم مؤخرا لوروده مصرحا به كذلك في قوله تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
[ المائدة : 13 ] ، وجوز غير واحد تعلق الجار - بحرمنا - الآتي على أن قوله تعالى :
فَبِظُلْمٍ
بدل من قوله سبحانه :
فَبِما نَقْضِهِمْ
، وإليه ذهب الزجاج ، وتعقبه في البحر بأن فيه بعدا لكثرة الفواصل بين البدل والمبدل منه ، ولأن المعطوف على السبب سبب فيلزم تأخر بعض أجزاء السبب الذي للتحريم عن التحريم ، فلا يمكن أن يكون جزء سبب أو سببا إلا بتأويل بعيد ، وبيان ذلك أن قولهم - على مريم بهتانا عظيما -
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ
، متأخر في الزمان عن تحريم الطيبات عليهم ، واستحسنه السفاقسي ، ثم قال : وقد يتكلف لحله بأن دوام التحريم في كل زمن كابتدائه ، وفيه بحث ، وجعل العلامة الثاني الفاء في
فَبِظُلْمٍ
على هذا التقدير تكرارا للفاء في
فَبِما نَقْضِهِمْ
عطفا على أخذنا منهم ، أو جزاء شرط مقدر ، واستبعده أيضا من وجهين : لفظي ومعنوي ، وبين الأول بطول الفصل وبكونه من إبدال الجار والمجرور مع حرف العطف ، أو الجزاء مع القطع بأن المعمول هو الجار والمجرور فقط ، والثاني بدلالته على أن تحريم بعض الطيبات مسبب عن مثل هذه الجرائم العظيمة ومترتب عليه ، ثم قال : ولو جعلت الفاء للعطف على
فَبِما نَقْضِهِمْ
كما في قولك : بزيد وبحسنه ، أو فبحسنه أو ثم حسنه افتتنت لم يحتج إلى جعله بدلا ، وجوز أبو البقاء وغيره التعلق بمحذوف دل عليه قوله تعالى :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
ورد بأن ذلك لا يصلح مفسرا ولا قرينة للمحذوف ، أما الأول فلتعلقه بكلام آخر لأنه رد وإنكار لقولهم
قُلُوبُنا غُلْفٌ
، وأما الثاني فلأنه استطراد يتم الكلام دونه ؛ وكونه قرينة لما هو عمدة في الكلام يوجب أن لا يتم دونه . والحاصل أنه لا بد للقرينة من التعلق المعنوي بسابقتها حتى تصلح لذلك ، ومنه يعلم أنه لا مورد للنظر بأن الطبعين متوافقان في العروض ، أحدهما بالكفر ، والآخر بالنقض ، وقيل : هو متعلق بلا يؤمنون ، والفاء زائدة ، وقيل : بما دل عليه ولا يخفى ردّ ذلك
وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ
أي حججه الدالة على صدق أنبيائه عليهم الصلاة والسلام والقرآن ، أو ما في كتابهم لتحريفه وإنكاره وعدم العمل به .
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
كزكريا ويحيى عليهما السلام
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ
جمع غلاف بمعنى الظرف ، وأصله غلف بضمتين فخفف ، أي أوعية للعلم فنحن مستغنون بما فيها عن غيره ، قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وعطاء ، وقال الكلبي : يعنون أن قلوبنا بحيث لا يصل إليها شيء إلا وعته ولو كان في حديثك شيء لوعته أيضا ، ويجوز أن يكون جمع أغلف أي هي مغشاة بأغشية خلقية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون كقوله تعالى :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
[ فصلت : 5 ] .
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
كلام معترض بين المعطوفين جيء به على وجه الاستطراد مسارعة إلى رد