فيسوفون العمل ، وقيل : أمنيهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها وأدعو كلّا منهم إلى ما يميل طبعه إليه فأصده بذلك عن الطاعة ، وروى الأول عن الكلبي
وَلَآمُرَنَّهُمْ
بالتبتيك - كما قال أبو حيان - أو بالضلال كما قال غيره
فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ
أي
فليقطعنها من أصلها كما روي عن أبي عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه ،
أو ليشقنها - كما قال الزجاج - بموجب أمري من غير تلعثم في ذلك ولا تأخير كما يؤذن بذلك الفاء ، وهذا إشارة إلى ما كانت الجاهلية تفعله من شق أو قطع أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا وتحريم ركوبها . والحمل عليها وسائر وجوه الانتفاع بها
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ
ممتثلين به بلا ريث
خَلْقَ اللَّهِ
عن نهجه صورة أو صفة ، ويندرج فيه ما فعل من فقء عين فحل الإبل إذا طال مكثه حتى بلغ نتاج نتاجه ، ويقال له الحامي وخصاء العبيد والوشم والوشر واللواطة والسحاق ونحو ذلك وعبادة الشمس والقمر والنار والحجارة مثلا . وتغيير فطرة اللّه تعالى التي هي الإسلام واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من اللّه سبحانه زلفى .
وورد عن السلف الاقتصار على بعض المذكورات وعموم اللفظ بمنع الخصاء مطلقا ، وروي النهي عنه عن جمع من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ،
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال : « نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن خصاء الخيل والبهائم » ،
وادعى عكرمة أن الآية نزلت في ذلك ، وأجاز بعضهم ذلك في الحيوان ، وأخرج ابن المنذر عن عروة أنه خصى بغلا له ، وعن طاوس أنه خصى جملا ، وعن محمد بن سيرين أنه سئل عن خصاء الفحول ، فقال : لا بأس به ، وعن الحسن مثله ، وعن عطاء أنه سئل عن خصاء الفحل فلم ير به عند عضاضه وسوء خلقه بأسا .
وقال النووي : لا يجوز خصاء حيوان لا يؤكل في صغره ولا في كبره ويجوز إخصاء المأكول في صغره لأن فيه غرضا وهو طيب لحمه ، ولا يجوز في كبره ، والخصاء في بني آدم محظور عند عامة السلف والخلف ، وعند أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه يكره شراء الخصيان واستخدامهم وإمساكهم لأن الرغبة فيهم تدعو إلى إخصائهم ، وخص من تغيير خلق اللّه تعالى الختان والوشم لحاجة وخضب اللحية وقص ما زاد منها على السنة ونحو ذلك ، وعن قتادة أنه قرأ الآية ، ثم قال : ما بال أقوام جهلة يغيرون صبغة اللّه تعالى ولونه سبحانه ، ولا يكاد يسلم له إن أراد ما يعم الخضاب المسنون كالخضاب بالحناء بل وبالكتم أيضا لإرهاب العدو ، وقد صح عن جمع من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أنهم فعلوا ذلك منهم أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، وحديث النهي محمول على غير ذلك
وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ
بإيثار ما يدعو إليه على ما أمر اللّه تعالى به ومجاوزته عن طاعة اللّه تعالى إلى طاعته ، وقيد
مِنْ دُونِ اللَّهِ
لبيان أن اتباعه ينافي متابعة أمر اللّه تعالى وليس احترازيا كما يتوهم ، وأما ما قيل : من أنه ما من مخلوق للّه تعالى إلا ولك فيه ولاية لو عرفتها ، ولك في وجوده منفعة لو طلبتها ، فلهذا قيدت الولاية بكونها من دون اللّه تعالى فناشئ من الغفلة عن تحقيق معنى الولاية فافهم
فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً
أي ظاهرا ، وأيّ خسران أعظم من استبدال الجنة بالنار ؟ وأي صفقة أخسر من فوات رضا الرحمن برضا الشيطان ؟
يَعِدُهُمْ
ما لا يكاد ينجزه ، وقيل : النصر والسلامة ، وقيل : الفقر والحاجة إن أنفقوا ، وقرأ الأعمش
يَعِدُهُمْ
بسكون الدال وهو تخفيف لكثرة الحركات .
وَيُمَنِّيهِمْ
الأماني الفارغة ، وقيل : طول البقاء في الدنيا ودوام النعيم فيها ، وجوز أن يكون المعنى في الجملتين يفعل لهم الوعد ويفعل التمنية على طريقة : فلان يعطي ويمنع ، وضمير الجمع المنصوب في
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ
راجع إلى - من - باعتبار معناها كما أن ضمير الرفع المفرد في
يَتَّخِذِ
و
خَسِرَ
راجع إليها باعتبار لفظها ، وأخبر سبحانه عن وقوع الوعد والتمنية مع وقوع غير ذلك مما أقسم عليه اللعين أيضا لأنهما من الأمور الباطنة