بني إسرائيل أن يحرفوا الأحكام الإلهية والشرائع الربانية ولا يحفظوا علمه ولا يعملوا به ويكون ذلك سببا للفساد العظيم ، فطلب الولد ليجري أحكام اللّه تعالى بعده ويروج الشريعة ويكون محط رحال النبوة وذلك موجب لتضاعيف الأجر واتصال الثواب ، والرغبة في مثله من شأن ذوي النفوس القدسية والقلوب الطاهرة الزكية ، فإن قيل : الوراثة في وراثة العلم مجاز وفي وراثة المال حقيقة ، وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا ضرورة ، فما الضرورة هنا ؟ أجيب بأن الضرورة هنا حفظ كلام المعصوم من التكذيب ، وأيضا لا نسلم كون الوراثة حقيقة في المال فقط بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصا بالمال ، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم والمال والمنصب صحيح ، وهذا الإطلاق هو حقيقته اللغوية سلمنا أنه مجاز ولكن هذا المجاز متعارف ومشهور بحيث يساوي الحقيقة خصوصا في استعمال القرآن المجيد ، ومن ذلك قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ
[ فاطر : 32 ] وأورثوا الكتاب إلى غير ما آية ، ومن الشيعة من أورد هنا بحثا ، وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا لم يورث أحدا فلم أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن ؟
والجواب أن ذلك مغلطة لأن إفراز الحجرات للأزواج إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لا من جهة الميراث بل لأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بنى كل حجرة لواحدة منهن فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك وقد بنى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مثل ذلك لفاطمة رضي اللّه تعالى عنها . وأمامة وسلمه إليهما ، وكان كل من بيده شيء ما بناه له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتصرف فيه تصرف المالك على عهده عليه الصلاة والسلام ، ويدل على ما ذكر ما ثبت بإجماع أهل السنة ، والشيعة أن الإمام الحسن رضي اللّه تعالى عنه لما حضرته الوفاة استأذن من عائشة الصديقة رضي اللّه تعالى عنها وسألها أن تعطيه موضعا للدفن جوار جده المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم فإنه إن لم تكن الحجرة ملك أم المؤمنين لم يكن للاستئذان والسؤال معنى وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه :
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
[ الأحزاب : 33 ] فأضاف البيوت إليهنّ ولم يقل في بيوت الرسول ، ومن أهل السنة من أجاب عن أصل البحث بأن المال بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم صار في حكم الوقف على جميع المسلمين فيجوز لخليفة الوقت أن يخص من شاء بما شاء كما خص الصديق جناب الأمير رضي اللّه تعالى عنهما بسيف ودرع وبغلة شهباء تسمى الدلدل . إن الأمير كرم اللّه تعالى وجهه لم يرث النبي صلّى اللّه عليه وسلم بوجه ، وقد صح أيضا أن الصديق أعطى الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة بعضا من متروكاته صلّى اللّه عليه وسلم وإنما لم يعط رضي اللّه تعالى عنه فاطمة صلى اللّه تعالى على أبيها وعليها وسلم فدكا مع أنها طلبتها إرثا وانحرف مزاج رضاها رضي اللّه تعالى عنها بالمنع إجماعا وعدلت عن ذلك إلى دعوى الهبة ، وأتت بعلي والحسنين وأم أيمن للشهادة فلم تقم على ساق بزعم الشيعة ، ولم تمكن لمصلحة دينية ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك كما ذكره الأسلمي في الترجمة العبقرية والصولة الحيدرية وأطال فيه .
وتحقيق الكلام في هذا المقام أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه خص آية المواريث بما سمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وخبره عليه الصلاة والسلام في حق من سمعه منه بلا واسطة مفيد للعلم اليقيني بلا شبهة والعمل بسماعة واجب عليه سوء سمعه غيره أو لم يسمع ، وقد أجمع أهل الأصول من أهل السنة والشيعة على أن تقسيم الخبر إلى المتواتر وغيره بالنسبة إلى من لم يشاهدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وسمعوا خبره بواسطة الرواة لا في حق من شاهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم وسمع منه بلا واسطة ،
فخبر « نحن معاشر الأنبياء لا نورث »
عند أبي بكر قطعي لأنه في حقه كالمتواتر بل أعلى كعبا منه ، والقطعي يخصص القطعي اتفاقا ، ولا تعارض بين هذا الخبر والآيات التي فيها نسبة الوراثة إلى الأنبياء عليهم السلام لما علمت ، ودعوى الزهراء رضي اللّه تعالى عنها فدكا بحسب الوراثة لا تدل على كذب الخبر بل على عدم سماعه وهو