تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
رضي اللّه تعالى عنه ، واختاره الفراء . والزجاج ، وجوز الواحدي النصب على الإغراء أي والزموا الأرحام وصلوها ، وقرأ حمزة بالجر ، وخرجت في المشهور على العطف على الضمير المجرور ، وضعف ذلك أكثر النحويين بأن الضمير المجرور كبعض الكلمة لشدة اتصاله بها فكما لا يعطف على جزء الكلمة لا يعطف عليه . وأول من شنع على حمزة في هذه القراءة أبو العباس المبرد حتى قال : لا تحل القراءة بها ، وتبعه في ذلك جماعة - منهم ابن عطية - وزعم أنه يردها وجهان : أحدهما أن ذكر أن الأرحام مما يتساءل بها لا معنى له في الحض على تقوى اللّه تعالى ، ولا فائدة فيها أكثر من الاخبار بأن الأرحام يتساءل بها ، وهذا مما يغض من الفصاحة ، والثاني أن في ذكرها على ذلك تقرير التساؤل بها ، والقسم بحرمتها ، والحديث الصحيح يرد ذلك ، فقد أخرج الشيخان عنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم « من كان حالفا فليحلف باللّه تعالى أو ليصمت » . وأنت تعلم أن حمزة لم يقرأ كذلك من نفسه ولكن أخذ ذلك بل جميع القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش . والإمام بن أعين ومحمد بن أبي ليلى وجعفر بن محمد الصادق - وكان صالحا ورعا ثقة في الحديث - من الطبقة الثالثة . وقد قال الإمام أبو حنيفة والثوري ويحيى بن آدم في حقه غلب حمزة الناس على القراءة والفرائض ، وأخذ عنه جماعة وتلمذوا عليه ، ومنهم إمام الكوفة - قراءة وعربية - أبو الحسن الكسائي ، وهو أحد القراء السبعة الذين قال أساطين الدين : إن قراءتهم متواترة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومع هذا لم يقرأ بذلك وحده بل قرأ به جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس وإبراهيم النخعي والحسن البصري وقتادة ومجاهد وغيرهم - كما نقله ابن يعيش فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر ، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين ولسنا متعبدين باتباعهم ، وقد أطال أبو حيان في البحر الكلام في الردّ عليهم ، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح ، بل الصحيح ما ذهب اليه الكوفيون من الجواز ، وورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما ، وإلى ذلك ذهب ابن مالك ، وحديث إن ذكر الأرحام - حينئذ لا معنى له في الحض على تقوى اللّه تعالى - ساقط من القول لأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة - وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم فالتساؤل بالأرحام يقتضيه بلا ريب ، وإن أريد الأعم فلدخوله فيها وأما شبهة أن في ذكرها تقرير التساؤل بها ، والقسم بحرمتها والحديث يرد ذلك للنهي فيه عن الحلف بغير اللّه تعالى ، فقد قيل في جوابها : لا نسلم أن الحلف بغير اللّه تعالى مطلقا منهي عنه ، بل المنهي عنه ما كان مع اعتقاد وجوب البر ، وأما الحلف على سبيل التأكيد مثلا فمما لا بأس به ففي الخبر « أفلح وأبيه إن صدق » . وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر : أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرض منه سوى الاستعطاف وليس هو - كقول القائل - والرحم لأفعلن كذا . ولقد فعلت كذا ، فلا يكون متعلق النهي في شيء ، والقول بأن المراد هاهنا حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهلية - لا يخفى ما فيه فافهم ، وقد خرج ابن جني هذه القراءة على تخريج آخر فقال في الخصائص : باب في أن المحذوف إذا دلت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به من ذلك . رسم دار وقفت في طلله . أي رب رسم دار ، وكان رؤبة إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ بقول : خير عفاك اللّه تعالى - أي بخير - ويحذف الباء لدلالة الحال عليها ، وعلى نحو من هذا تتوجه عندنا قراءة حمزة ، وفي شرح المفصل أن الباء في هذه القراءة محذوفة لتقدم ذكرها ، وقد مشى على ذلك أيضا الزمخشري في أحاجيه ، وذكر صاحب الكشف أنه أقرب من التخريج الأول عند أكثر البصرية لثبوت إضمار الجار في نحو - اللّه لأفعلن - وفي نحو - ما مثل عبد اللّه ولا أخيه يقولان ذلك - والحمل