تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩

سورة النّساء

مدنية على الصحيح ، وزعم النحاس أنها مكية مستندا إلى أن قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
[ النساء : 58 ] . الآية نزلت بمكة اتفاقا « 1 » في شأن مفتاح الكعبة ، وتعقبه العلامة السيوطي ، بأن ذلك مستند واه لأنه لا يلزم من نزول آية ، أو آيات بمكة من سورة طويلة نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه ، ومما يردّ عليه أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وبناؤه عليها صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان بعد الهجرة اتفاقا ، وقيل : إنها نزلت عند الهجرة ، وعدة آياتها عند الشاميين مائة وسبع وسبعون ، وعند الكوفيين ست وسبعون ، وعند الباقين خمس وسبعون ، والمختلف فيه منها آيتان : إحداهما
أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ
[ النساء : 44 ] وثانيتهما
فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً
[ النساء : 173 ] فالكوفيون يثبتون الأولى آية فقط ، والشاميون يثبتون الثانية أيضا ، والباقون يقولون هما بعضا آية ، ووجه مناسبتها لآل عمران أمور ، منها أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى ، وافتتحت هذه السورة به ، وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور ، وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر تشابه الأطراف « 2 » وقوم يسمونه بالتسبيغ ، وذلك كقول ليلى الأخيلية :
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة رواها
رواها فأرواها بشرب سجالها * دماء رجال حيث نال حشاها
ومنها أن في آل عمران ذكر قصة أحد مستوفاة ، وفي هذه السورة ذكر ذيلها ، وهو قوله تعالى :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ
[ النساء : 88 ] فإنه نزل فيما يتعلق بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء اللّه تعالى مرويا عن البخاري ومسلم وغيرهما ، ومنها أن في آل عمران ذكر الغزوة التي بعد أحد كما أشرنا إليه في قوله تعالى :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
[ آل عمران : 172 ] إلخ ، وأشير إليها هاهنا بقوله سبحانه :
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ
[ النساء : 104 ] الآية ، وبهذين الوجهين يعرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها عليها كما في مصحف ابن مسعود لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع فكان الأنسب فيه التأخير ، ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك .
هامش
( 1 ) وذكر الطبرسي أن آية الكلالة نزلت بمكة أيضا ا ه منه . ( 2 ) ولا يضر في ذلك كون الخطاب الأول ( يا أيها الذين آمنوا ) والخطاب الثاني ( يا أيها الناس ) كما لا يخفى ا ه منه .