تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
فقد أخزاه والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى :
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
[ التحريم : 8 ] وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن مع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مخزيا أن لا يكون غيره وهو مؤمن كذلك ، وأيضا الآية ليست عامة لقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
[ مريم : 71 ] فتحمل على من أدخل النار للخلود وهم الكفار ، وهو المروي عن أنس وسعيد بن المسيب وقتادة وابن جرير . وأيضا يمكن أن يقال : إن كل من يدخلها مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبة أهل الكبائر منهم الخروج ، وقوله تعالى :
يَوْمَ لا يُخْزِي
إلخ نفي الخزي فيه على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهو نفي الخزي المخلد ، وأيضا يحتمل أن يقال : الإخزاء مشترك بين التخجيل والإهلاك والمثبت هو الأول والمنفي هو الثاني ، وحينئذ لا يلزم التنافي ، واحتجت المرجئة بها على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة : 178 ] وقوله سبحانه :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
[ الحجرات : 9 ] والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى :
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ
إلخ والمدخل في النار مخزي لهذه الآية ، وأجيب بمنع المقدمات بأسرها أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمنا وإن كان قبل مؤمنا ، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئية الموضوع كما تقرر آنفا
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
أي ليس لكل منهم ناصر ينصره مما هو فيه ، والجملة تذييل لإظهار فظاعة حالهم ، وفيه تأكيد للاستدعاء ووضع الظالمين موضع ضمير المدخلين لذمهم والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم ، وتمسكت المعتزلة بنفي الأنصار على نفي الشفاعة لسائر المدخلين ، وأجيب بأن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله تعالى :
وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ البقرة : 254 ] ، وقيل : نفي الناصر لا يمنع نفي الشفيع لأن النصر دفع بقوة والشفاعة تخليص بخضوع وتضرع وله وجه ، والقول : بأن العرف لا يساعده غير متجه . وقال في الكشف : الظاهر من الآية أن من دخل النار لا ناصر له من دخولها أما إنه لا ناصر له من الخروج بعد الدخول فلا ، وذلك لأنه عام في نفي الأفراد مهمل بحسب الأوقات ، والظاهر التقييد بما يطلب النصر أولا لأجله كمن أخذ يعاقب فقلت : ما له من ناصر لم يفهم منه أن العقاب لا ينتهي بنفسه وأنه بعد العقاب لم يشفع بل فهم منه لم يمنعه أحد مما حل به ، ثم إن سلم التساوي لم يدل على النفي وأجاب غير واحد على تقدير عموم الظالم ، وعدم الفرق بين النصر والشفاعة بأن الأدلة الدالة على الشفاعة - وهي أكثر من أن تحصى - مخصصة للعموم ، وقد تقدم ما ينفعك هنا
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
على معنى القول أيضا وهو كما قال شيخ الإسلام : حكاية لدعاء آخر مبني على تأملهم في الدليل السمعي بعد حكاية دعائهم السابق المبني على تفكرهم في الأدلة القطعية ، ولا يخفى أن ذلك التفكر مستدع في الجملة لهذا القول ، وفي تصدير مقدمة الدعاء بالنداء إشارة إلى كمال توجههم إلى مولاهم وعدم غفلتهم عنه مع إظهار كمال الضراعة والابتهال إلى معوّد الإحسان والإفضال ، وفي التأكيد إيذان بصدور ذلك عنهم بفور الرغبة ومزيد العناية وكمال النشاط ، والمراد بالمنادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس وابن جريج - واختاره الجبائي وغيره . وقيل : المراد به القرآن ، وهو المحكي عن محمد بن كعب القرظي وقتادة ، واختاره الطبري معللا ذلك بأنه ليس يسمع كل واحد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا يراه ، والقرآن ظاهر باق على ممر الأيام والدهور يسمعه من أدرك عصر نزوله ومن لم يدرك ، ولأهل القول الأول أن يقولوا : من بلغه بعثة الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ودعوته جاز له أن يقول :
سَمِعْنا مُنادِياً
وإن كان فيه ضرب من التجوز ، وأيضا المراد بالنداء الدعاء ونسبته إليه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أشهر وأظهر ، فقد قال تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
[ النحل : 125 ]
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
[ يوسف : 108 ]
وَداعِياً