تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
ليس نعمة على قدر الكفاية من غير مضاعفة سرور ولذة ، بل زائد عليها مضاعف فيها ذلك ، ونظيره قوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] وعطف وأن على « فضل » أو على « نعمة » وعلى التقديرين مضمون ما بعدها داخل في المستبشر به . وقرأ الكسائي « وإن » بكسر الهمزة على أنه تذييل لمضمون ما قبله من الآيات السابقة ، أو اعتراض بين التابع والمتبوع بناء على أن الموصول الآتي تابع للذين لم يلحقوا ، والمراد من المؤمنين إما الشهداء والتعبير عنهم بذلك للإعلام بسمو مرتبة الإيمان وكونه مناطا لما قالوه من السعادة ، وإما كافة المؤمنين ، وذكرت توفية أجورهم وعدت من جملة المستبشر به على ما اقتضاه العطف بحكم الأخوة في الدين ، واختار هذا الوجه كثير . ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن زيدان أن هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء وقلّ ما ذكر اللّه تعالى فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم إلا ذكر سبحانه ما أعطى اللّه تعالى المؤمنين من بعدهم ، وفي الآية إشعار بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة
الَّذِينَ اسْتَجابُوا
أي أطاعوا
لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
بامتثال الأوامر
مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
أي نالهم الجراح يوم أحد ، والموصول في موضع جر صفة للمؤمنين أو في موضع نصب بإضمار أعني ، أو في موضع رفع على إضمارهم ، أو مبتدأ أول وخبره جملة قوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ
قال الطبرسي وهو الأشبه : و
مِنْهُمْ
حال من الضمير في
أَحْسَنُوا
و
مِنْ
للتبعيض - وإليه ذهب بعضهم - وذهب غير واحد إلى أنها للبيان ، فالكلام حينئذ فيه تجريد جرد من الذين استجابوا للّه والرسول المحسن المتقي ، والمقصود من الجمع بين الوصفين المدح والتعليل لا التقييد لأن المستجيبين كلهم محسنون ومتقون ، قال ابن إسحاق وغيره : لما كان يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال وكانت وقعة أحد يوم السبت للنصف منه أذن مؤذن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بطلب العدو وأن لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد اللّه بن حرام فقال : يا رسول اللّه إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال : يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهم فأذن له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فخرج رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم إرهابا للعدو حتى انتهى إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ مشرك فقال : يا محمد أما واللّه لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن اللّه تعالى عافاك فيهم ، ثم ذهب ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه وقالوا : أصبنا أجل أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن عليهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط وهم يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قال : ويلك ما تقول ؟ قال ما أرى واللّه أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال : فو اللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال : فإني أنهاك عن ذلك وو اللّه لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من الشعر قال : وما قلت ؟ قال قلت :
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
ترمي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل